خطبة عن (يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ)
فبراير 21, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الصِّيَامُ وَاللِّسَانُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الصِّيَامَ فِي حَقِيقَتِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حِرْمَانِ المَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، بَلْ هُوَ لِجَامٌ لِلِجَارِحَةِ الأَخْطَرِ فِي جَسَدِ الإِنْسَانِ، أَلَا وَهِيَ اللِّسَانُ، فهَذَا العُضْوُ الصَّغِيرُ حَجْمُهُ، العَظِيمُ جُرْمُهُ، وهُوَ مِيزَانُ تَقْوَى الصَّائِمِ، فَالمَقْصُود مِنَ الصَّوْمِ هُوَ تَهْذِيبُ النَّفْسِ، وَلَا يَهْذِبُ النَّفْسَ شَيْءٌ مِثْلُ صَوْنِ اللِّسَانِ عَنِ الفُحْشِ وَالكَذِبِ وَالغِيبَةِ، والصَّائِم الَّذِي يَمْتَنِعُ عَنِ الحَلَالِ -مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ- تَقَرُّباً إِلَى اللهِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنِ الحَرَامِ، الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَأَشَدُّ حُرْمَةً فِي هَذَا الشهر الكريم.
وقَدْ رَبَطَ الإِسْلَامُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَحُسْنِ الخُلُقِ رِبَاطاً وَثِيقاً، فَالصِّيَامُ مَدْرَسَةٌ لِلْحِلْمِ وَالصَّبْرِ، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (رواه البخاري ومسلم)،
فتَأَمَّلُوا هَذَا التَّوْجِيهَ النَّبَوِيَّ؛ فَالصَّائِمُ لَا يَرُدُّ الجَهْلَ بِالجَهْلِ، وَلَا الكَلِمَةَ النَّابِيَةَ بِمِثْلِهَا، بَلْ يَسْتَعْلِي بِإِيمَانِهِ، وَيُذَكِّرُ نَفْسَهُ وَخَصْمَهُ بِأَنَّهُ فِي عِبَادَةٍ تَمْنَعُهُ مِنَ النُّزُولِ إِلَى مُسْتَوَى السَّفَاهَةِ.
ولِلِّسَانِ فِي رَمَضَانَ آفَات قَدْ تَمْحَقُ بَرَكَةَ الصَّوْمِ، وَأَخْطَرُهَا الغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات:12].
فَكَيْفَ يَتَقَرَّبُ العَبْدُ إِلَى اللهِ بِتَرْكِ بَعْضِ المَآكِلِ، ثُمَّ يَقَعُ فِي أَكْلِ لُحُومِ البَشَرِ؟، فإِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ يَهْدِمُ أَجْرَ الصِّيَامِ، وَقَدْ حَذَّرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: “إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الكَذِبِ وَالمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الجَارِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً”.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واللِّسَان الَّذِي يَصُومُ عَنِ البَاطِلِ، يَجِبُ أَنْ يَنْطِقَ بِالحَقِّ وَالذِّكْرِ، فَالصِّيَامُ لَيْسَ سُكُوتاً مُطْلَقاً، بَلْ هُوَ تَغْيِيرٌ لِمَسَارِ الكَلَامِ، فبَدَلَ القِيلِ وَالقَالِ، فلِيَكُنِ التَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَتِلَاوَةُ القُرْآنِ، فإِنَّ لِلْخَلُوفِ -وَهُوَ رَائِحَةُ فَمِ الصَّائِمِ- مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (رواه البخاري ومسلم). فَلَا تُكَدِّرُوا طِيبَ هَذِهِ الرَّائِحَةِ بِخَبِيثِ الكَلَامِ، ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، ويَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب:70]. وَفي الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» (رواه البخاري).
وحِفْظ اللِّسَانِ فِي رَمَضَانَ يَكْتَسِبُ أَهَمِّيَّةً مُضَاعَفَةً فِي عَصْرِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، فَكَمَا يَصُومُ لِسَانُكَ عَنِ النُّطْقِ، يَجِبُ أَنْ تَصُومَ أَنَامِلُكَ عَنِ الكِتَابَةِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللهَ، فَالصِّيَامُ عَنِ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَنَشْرِ الإِشَاعَاتِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ، هُوَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ صِيَامِ اللِّسَانِ، فلَا تَجْعَلُوا صِيَامَكُمْ يَتَسَرَّبُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِكُمْ بِتَغْرِيدَةٍ، أَوْ تَعْلِيقٍ يُغْضِبُ الجَبَّارَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الصِّيَامُ وَاللِّسَانُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
في الصحيحين: (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)، وشهر رَمَضَانَ فُرْصَةٌ لِتَدْرِيبِ اللِّسَانِ عَلَى كَلَامِ الطَّيِّبِ، فَالقَوْلُ الحَسَنُ صَدَقَةٌ، والصِّيَامُ الحَقِيقِيُّ هُوَ حِجَابٌ لِلْجَوَارِحِ كُلِّهَا عَمَّا يُسْخِطُ اللهَ، وَأَوْلَى هَذِهِ الجَوَارِحِ بِالرِّعَايَةِ هُوَ هَذَا اللِّسَانُ،
فاللِّسَان هُوَ بَوَّابَةُ القَلْبِ: فإِذَا اسْتَقَامَ لِسَانُ الصَّائِمِ، خَشَعَ قَلْبُهُ، وَإِذَا كَثُرَ لَغْطُهُ، قَسَا قَلْبُهُ، وَضَاعَتْ لَذَّةُ مُنَاجَاتِهِ فِي التَّرَاوِيحِ وَالسَّحَرِ، وفي سنن الترمذي ومسند أحمد: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ قَالَ «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ (أي تحذره) فَتَقُولُ اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا».
والسؤال: كَيْفَ يَكُونُ لِسَانُنَا فِي رَمَضَانَ لِسَانًا ذَاكِرًا؟، والجواب: أَوَّلًا: بالِانْشِغَال بِالقُرْآنِ، خُصُوصاً فِي أَوْقَاتِ الِانْتِظَارِ، وَقَبْلَ المَغْرِبِ، فلَا تَتْرُكْ لِسَانَكَ فَارِغًا، فَيَمْلَأَهُ الشَّيْطَانُ بِالفُضُولِ.
ثَانِيًا: بتَدْرِيب النَّفْسِ عَلَى “فِقْهِ الصَّمْتِ”، فتتَعَلَّم أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُ، وَإِذَا رَأَيْتَ مَجْلِسًا فِيهِ غِيبَةٌ، فَقُمْ عَنْهُ أَوْ غَيِّرِ المَوْضُوعَ، فَهَذَا مِنْ صَمِيمِ صِيَامِكَ.
ثَالِثًا: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ: وَفِي رَمَضَانَ هِيَ “صَدَقَةٌ مُضَاعَفَةٌ”، فوَاسِ المَحْزُونَ، وَشَجِّعِ المُجْتَهِدَ، وَأَفْشِ السَّلَامَ.
فالصِّيَامُ مَدْرَسَةٌ لِضَبْطِ النَّفْسِ، فَمَنْ ضَبَطَ لِسَانَهُ فِي رَمَضَانَ، نَالَ جَائِزَةَ التَّقْوَى، فاحْفَظُوا صِيَامَكُمْ بِحِفْظِ أَلْسِنَتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مَرْصُودَةٌ، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق:18.
واجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ رَطْبَةً بِذِكْرِ اللهِ، وَبِالآخِرَةِ مُذَكِّرَةً، وتَذَكَّرُوا أَنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ.
واجْعَلُوا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ مِيثَاقاً لِلصِّدْقِ وَالعَدْلِ فِي القَوْلِ، فَمَنْ حَفِظَ لِسَانَهُ فَقَدْ حَفِظَ دِينَهُ، وَصَانَ صَوْمَهُ، فاللَّهُمَّ طَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَالفُحْشِ، وَاجْعَلْهَا لَاهِجَةً بِذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ حَسُنَ خُلُقُهُ، وَطَابَ قَوْلُهُ، وَتُقُبِّلَ صَوْمُهُ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ.
الدعاء
