خطبة عن (رحلة الحج دروس وعبر)
مايو 24, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (هَلْ أَنْتَ كَالنَّخْلَةِ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى البخاري في صحيحه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «هِيَ النَّخْلَةُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [إبراهيم:24-25]. و(في الشجرة الطيبة) قولان: أحدهما: أنها النخلة، والثاني: أنها شجرة في الجنة،
فالمُؤْمِن فِي هَذِهِ الحَيَاةِ لَيْسَ عُنْصُراً هَامِشِيّاً، بَلْ هُوَ كِيَانٌ عَامِرٌ بِالنَّفْعِ، ثَابِتٌ عَلَى المَبَادِئِ، كَأَنَّهُ تِلْكَ الشَّجَرَةُ المُبَارَكَةُ، الَّتِي اصْطَفَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِتَكُونَ مَثَلاً لِلْمُسْلِمِ، فِي عَطَائِهِ وَثَبَاتِهِ.
وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ حَدِيثِ “النَّخْلَةِ” الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، لِنَسْتَلْهِمَ مِنْهُ دُرُوسَ التَّرْبِيَةِ، وَفُنُونَ التَّعْلِيمِ، وَأَسْرَارَ الشَّخْصِيَّةِ المُؤْمِنَةِ، ونسأل أنفسنا: (هَلْ أَنْتَ كَالنَّخْلَةِ؟).
وأَوَّلُ مَا نَلْمَحُهُ فِي هَذَا المَوْقِفِ هُوَ “أَسَالِيبُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّعْلِيمِ”؛ فلَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم لَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّلْقِينِ، بَلْ يَسْتَخْدِمُ أساليب متعددة ومتنوعة، ومنها: أُسْلُوبَ “إِثَارَةِ العُقُولِ”، وَالسُّؤَالِ، والتَّشْوِيقِيِّ” ، كما في قوله: (حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟) في الحديث المتقدم.
فَفي هذا الحديث قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ»، إِنَّهُ يُرِيدُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَفَكَّرُوا، وَأَنْ تَتَحَرَّكَ أَقْرَاحُهُمْ لِلْبَحْثِ عَنِ الحَقِيقَةِ، وهَذَا الأُسْلُوبُ يَجْعَلُ المَعْلُومَةَ أَثْبَتَ فِي القَلْبِ، وَأَبْقَى فِي الذِّاكِرَةِ، وقَدْ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً حِسِّيّاً، لِيُقَرِّبَ المَعْنَى المَعْنَوِيَّ، فَالْمُسْلِمُ لَيْسَ نَظَرِيَّةً تُقْرَأُ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةٌ تُجْنَى، وَظِلٌّ يُقْصَدُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي “التَّشَابُه بَيْنَ النَّخْلَةِ وَالمُسْلِمِ” كَمَا جَلَّاهُ نَبِيُّكُمْ، فالنَّخْلَةُ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَكَذَلِكَ المُسْلِمُ لَا يَسْقُطُ مِيزَانُ قِيَمِهِ، مَهْمَا عَصَفَتْ بِهِ رِيَاحُ الفِتَنِ. والنَّخْلَةُ كُلُّ مَا فِيهَا نَافِعٌ؛ ثَمَرُهَا طَعَامٌ، وَجِذْعُهَا بِنَاءٌ، وَخُوصُهَا فِرَاشٌ، وَنَوَاهَا عَلَفٌ،
وَكَذَلِكَ المُسْلِمُ؛ نَفْعُهُ مُتَعَدٍّ؛ إِنْ تَكَلَّمَ نَفَعَ، وَإِنْ صَمَتَ نَفَعَ، وَإِنْ أَنْفَقَ نَفَعَ.
والنَّخْلَةُ: أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وكذلك المُسْلِمُ: ثَابِتٌ ثَبَاتَ النَّخْلَةِ؛ جُذُورُهُ ضَارِبَةٌ فِي أَعْمَاقِ اليَقِينِ، وَرَأْسُهُ شَامِخٌ فِي سَمَاءِ العِزَّةِ، فهو لَا يَنْحَنِي لِغَيْرِ اللهِ، وَلَا يَتَلَوَّنُ تَلَوُّنَ الحِرْبَاءِ، بَلْ هُوَ “طَيِّبٌ فِي أَخْلَاقِهِ وَعَطَائِهِ”، لَا يُخْرِجُ إِلَّا الرُّطَبَ الجَنِيَّ مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ.
وتتخلص أوجه الشبه بين المسلم والنخلة في النقاط التالية: دوام العطاء والنفع:
فالمؤمن مبارك في كل أحواله، علمه، وعمله، ونفعه، مثل النخلة التي لا يسقط ورقها، وتبقى خضراء طوال العام.
وكذلك طيب الثمر والعمل: فالمؤمن لا يصدر عنه إلا خير، ولا ينتج إلا عملاً صالحاً، كالنخلة التي لا تنتج إلا طيباً.
وكذلك الشموخ والثبات: فالإيمان في قلب المؤمن راسخ كرسوخ الجبال، والنخلة أصلها ثابت في الأرض، لا تزعزعها الرياح.
وكذا الانتفاع بجميع أجزائها: فالمؤمن ينفع الناس في كل حالاته، والنخلة ينتفع بها من طلوعها حتى تيبس، من جذوعها، سعفها، وليفها.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي الحديث: (فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَاسْتَحْيَيْتُ)، فلَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ- أَنَّهَا النَّخْلَةُ، ولَكِنَّهُ اسْتَحْيَا أَنْ يَتَكَلَّمَ، بَيْنَ يَدَيْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ كَأَبِيهِ وَأَبِي بَكْرٍ.
وَهُنَا نَقِفُ مَعَ دَرْسٍ تَرْبَوِيٍّ عَظِيمٍ فِي “تَرْبِيَةِ الأَوْلَادِ عَلَى الجُرْأَةِ المُنْضَبِطَةِ”؛ فَعِنْدَمَا عَلِمَ عُمَرُ أَنَّ ابْنَهُ عَرَفَ الجَوَابَ، وَلَمْ يَنْطِقْ به، قَالَ: «لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا». فعُمَرُ الفَارُوقُ يُرِيدُ لِابْنِهِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ حُضُورٍ، وَأَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ بَيْنَ العُلَمَاءِ، لِأَنَّ قُوَّةَ الشَّخْصِيَّةِ عِنْدَ الصِّغَارِ، هِيَ بَذْرَةُ القِيَادَةِ عِنْدَ الكِبَارِ.
ووَجَبَ عَلَيْنَا هُنَا “بَيَانُ الفَرْقِ بَيْنَ الحَيَاءِ وَالخَجَلِ“؛ فَالْحَيَاءُ الَّذِي مَدَحَهُ الشَّرْعُ هُوَ “خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ القَبِيحِ” وَتَوْقِيرِ الكَبِيرِ، وَهُوَ مِنَ الإِيمَانِ.
أَمَّا الَّذِي مَنَعَ ابْنَ عُمَرَ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ “الخَجَلِ أَوْ الهَيْبَةِ” الَّتِي قَدْ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنْ نَشْرِ العِلْمِ أَوْ قَوْلِ الحَقِّ، أو القدرة على مواجهة المواقف.
فَالْمَطْلُوبُ هُوَ الحَيَاءُ الَّذِي يَزِينُ المَرْءَ، لَا الخَجَلُ الَّذِي يُعِيقُ نُمُوَّ مَوَاهِبِهِ، وإِنَّ عُمَرَ يُعَلِّمُنَا أَنَّ نَجَاحَ الأَبْنَاءِ فِي مَيَادِينِ العِلْمِ وَالجُرْأَةِ المَحْمُودَةِ، هُوَ أَعْظَمُ لَدَى الآبَاءِ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَكُنُوزِ الدُّنْيَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (هَلْ أَنْتَ كَالنَّخْلَةِ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ النَّخْلَةُ»: هُوَ مِيثَاقُ عَمَلٍ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، فَإِذَا كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مُسْلِماً حَقّاً، فَانْظُرْ: هَلْ أَنْتَ كَالنَّخْلَةِ؟، فالنَّخْلَةُ تُرْمَى بِالحَجَرِ، فَتُلْقِي بِأَطْيَبِ الثَّمَرِ، وَالمُسْلِمُ يُقَابِلُ الإِسَاءَةَ بِالإِحْسَانِ.
والنَّخْلَةُ صَبُورَةٌ عَلَى قَحْطِ الأَرْضِ، وَحَرِّ السَّمَاءِ، وَالمُسْلِمُ صَبُورٌ عَلَى ابْتِلَاءَاتِ الزَّمَانِ. والنَّخْلَةُ لَا يَنْبُتُ فِيهَا إِلَّا مَا هُوَ طَيِّبٌ، وَالمُسْلِمُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا هُوَ نَافِعٌ لِلنَّاسِ.
فلِنَغْرِسْ فِي أَبْنَائِنَا الثِّقَةَ بِالنَّفْسِ، وَلْنُشَجِّعْهُمْ عَلَى القَوْلِ السَّدِيدِ، وَلْنُفَرِّقْ لَهُمْ بَيْنَ الأَدَبِ مَعَ الكِبَارِ، وَبَيْنَ كَتْمِ العِلْمِ وَالفَضْلِ.
إِنَّ الأُمَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى “نَخِيلٍ بَشَرِيّة” ثَابِتة فِي أَرْضِ القِيَمِ، عَالة فِي سَمَاءِ الطُّمُوحِ، فلَا تَكُونُوا كَالعُشْبِ الضَّعِيفِ، تُمِيلُهُ أَدْنَى رِيحٍ، بَلْ كُونُوا جُذُوعاً مَرْفُوعَةً، وَثِمَاراً مَذْلُولَةً لِكُلِّ طَالِبِ خَيْرٍ، وهكَذَا أَرَادَنَا رَسُولُ اللهِ، وَهَكَذَا يَكُونُ العَبْدُ نَافِعاً حَيْثُمَا حَلَّ وَارْتَحَلَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُحَاسِبْ أَنْفُسَنَا: مَاذَا قَدَّمْنَا مِنْ نَفْعٍ؟، وَهَلْ ثَبَاتُنَا عَلَى المَبَادِئِ كَثَبَاتِ النَّخْلَةِ؟،
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا كَالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي ذُرِّيَّاتِنَا، وَارْزُقْهُمُ العِلْمَ وَالفَهْمَ وَالجُرْأَةَ فِي الحَقِّ.
اللَّهُمَّ اصْلِحْ أَخْلَاقَنَا، وَاجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ.
الدعاء
