خطبة عن (السجود وجزاء الساجدين)
يونيو 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فضائل الأذان والمساجد، والمكث فيها)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33]. وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (18) التوبة.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم – إن شاء الله تعالى- عن: (فضائل الأذان، والمساجد، والمكث فيها)، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ الإِسْلَامِ نِدَاءً عِلْوِيّاً، يَهتَزُّ لَهُ الوُجُودُ، وكَلِمَاتُهُ تَمْلأُ الآفَاقَ تَعْظِيماً، وَتُعْلِنُ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ صَبَاحاً وَمَسَاءً، فذَلِكَ النِّدَاءُ المُقَدَّسُ الَّذِي يَرْفَعُ قَدْرَ صَاحِبِهِ فِي مَوَاقِفِ القِيَامَةِ، وَيَجْعَلُ الكَائِنَاتِ كُلَّهَا لَهُ مِنَ الشَّاهِدِينَ،
فأَوَّلَ كَرَامَاتِ وفضائل هَذَا النِّدَاءِ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ هِيَ: الرِّفْعَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَصْحَابِهِ بَيْنَ الخَلَائِقِ؛ حَيْثُ يَتَمَيَّزُ المُؤَذِّنُونَ عَنْ سَائِرِ البَشَرِ فِي زِحَامِ المَحْشَرِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ القِيَامَةِ»، وطُولُ الأَعْنَاقِ هِيَ عَلَامَةُ شَرَفٍ وَظُهُورٍ، لِيَرَاهُمُ النَّاسُ، فَيَعْرِفُونَ فَضْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ فِي الدُّنْيَا، فَرَفَعَ اللهُ قَدْرَهُمْ وَرُؤُوسَهُمْ يَوْمَ لِقَائِهِ.
وَلَمْ تَقْتَصِرِ الكَرَامَةُ عَلَى الرِّفْعَةِ، بَلْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ صَوْتُ هَذَا النِّدَاءِ سَنَداً، وَشَاهِداً لِلْمُؤَذِّنِ يَوْمَ الحِسَابِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، فَالحَجَرُ، وَالشَّجَرُ، وَالمَدَرُ، وَأَهْلُ الأَرْضِ، كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ لَكَ بِالتَّوْحِيدِ!،
وَلِعِظَمِ هَذَا الأَجْرِ، لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِيهِ، لَتَنَافَسُوا عَلَيْهِ بِالقُرْعَةِ؛ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ جَعَلَ الإِسْلَامُ لِلْسَّامِعِ نَصِيباً كَبِيراً مِنْ هَذَا الفَضْلِ، يَبْلُغُ بِهِ مَقَامَ الشَّفَاعَةِ النَّبَوِيَّةِ ؛فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَمَا يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»،
فَهَذِهِ الدَّعْوَةُ التَّامَّةُ هِيَ التَّوْحِيدُ، وَالمَقَامُ المَحْمُودُ هُوَ الشَّفَاعَةُ، فَمَنْ رَدَّدَهَا بِيَقِينٍ، ضَمِنَ أَمَانَ الآخِرَةِ، بِجِوَارِ الشَّفِيعِ المُشَفَّعِ رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وَإِنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ، حِينَ تَرْتَقِي عِبَادَةُ الأَذَانِ، لِتَكُونَ سَبَباً فِي “مُبَاهَاةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَجَبِهِ بِالعَبْدِ المُنْفَرِدِ فِي شَاهِقِ الجَبَلِ”!، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الجَبَلِ (أَيْ نُتُوءٍ مُرْتَفِعٍ) يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الجَنَّةَ»،
فَهُوَ لَيْسَ عِنْدَهُ أَهْلٌ وَلَا نَاسٌ يُرَائِيهِمْ، وَلَكِنَّهُ يُعْلِنُ كَبْرِيَاءَ اللهِ فِي الخَلَاءِ، خَوْفاً وَتَعْظِيماً؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُ المَغْفِرَةَ الفَوْرِيَّةَ، وَدُخُولَ الجَنَّاتِ.
ومن فضائل الأذان: أنَّ نِداءَ الأَذَانِ لَهُ سُلْطَانٌ قَاهِرٌ، يَكْسِرُ شَوْكَةَ البَاطِلِ، وَيَطْرُدُ جُنُودَ إِبْلِيسِ؛ فَمَا أَنْ يَرْتَفِعَ صّوْتُ الأذان، حَتَّى يَفِرَّ الشَّيْطَانُ، ذَلِيلاً صَاغِراً، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ (أَيِ الإِقَامَةُ) أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا -مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ- حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثاً أَوْ أَرْبَعاً، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ»، فَالْأَذَانُ طَارِدُ الهُمُومِ، وَمُطَهِّرُ البُيُوتِ مِنَ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ.
وَاعلم أنك إِذَا كُنْتَ فِي مَكَانٍ خَالٍ -كَالصَّحْرَاءِ أَوْ السَّفَرِ- وَرَفَعْتَ صَوْتَكَ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ، فَلَسْتَ وَحْدَكَ!، بَلْ تَتَنَزَّلُ جُنُودُ السَّمَاءِ، لِتَصْطَفَّ خَلْفَ مِحْرَابِكَ!، فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ :(عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضِ قِيٍّ (أَيْ بِأَرْضٍ قَفْرٍ خَالِيَةٍ) فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقَامَ صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ، صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ»، فَانْظُرْ كَيْفَ تَعْمُرُ أَرْضُ الخَلَاءِ بِالمَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ لِأَجْلِ أَذَانِكَ!، فهَذِهِ العِزَّةُ الإِيمَانِيَّةُ تَجْعَلُ العَبْدَ يَسْتَشْعِرُ قُوَّةَ دِينِهِ، وَشَرَفَ صِلَتِهِ بِرَبِّهِ.
واجْعَلُوا الدَّقَائِقَ الَّتِي تَلِي هَذَا النِّدَاءَ مَيْدَاناً لِدُعَائِكُمْ؛ فَهِيَ سَاعَةُ الِاسْتِجَابَةِ، الَّتِي لَا تُرَدُّ فِيهَا مَسْأَلَةٌ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ»، فَلا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ بِحَدِيثِ الدُّنْيَا، بَلِ انْطَرِحُوا بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاكُمْ؛ سَلُوهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنَّ الأَبْوَابَ مَفْتُوحَةٌ، وَالرَّحَمَاتِ مَصْبُوبَةٌ، فاِلْتَزِمُوا تَعْظِيمَ هَذَا النِّدَاءِ؛ صِيَانَةً لِأَنْفُسِكُمْ، وَحِفْظاً لِبُيُوتِكُمْ، لِتَنَالُوا شَفَاعَةَ المُصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَتُبْعَثُوا يَوْمَ المَحْشَرِ أَعْلَاماً، يَعْرِفُ الفَضْلَ فِيكُمْ كُلُّ مَنْ رَآكُمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول الله تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [التوبة:18]، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى المَسَاجِدَ أَشْرَفَ البِقَاعِ، وَأَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ، إِجْلَالاً وَتَشْرِيفاً، وَجَعَلَ عِمَارَتَهَا الحِسِّيَّةَ بِالبِنَاءِ، وَالمَعْنَوِيَّةَ بِالطَّاعَةِ، مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ القُرْبَاتِ، الَّتِي تَبْنِي لِلْعَبْدِ مَنَازِلَ الكَرَامَةِ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وعِمَارَة بُيُوتِ اللهِ بِالتَّشْيِيدِ وَالبِنَاءِ، هِيَ تِجَارَةٌ رَابِحَةٌ مَعَ اللهِ، يَضْمَنُ بِهَا العَبْدُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ بَنَى مَسْجِداً يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ»،
وَلِتَعْلَمُوا عِظَمَ كَرَمِ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا الفَضْلَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَنْ بَنَى مَسْجِداً كَبِيراً يُكَلِّفُ المَلَايِينَ، بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ سَاهَمَ فِي وَضْعِ لَبِنَةٍ، أَوْ بَذَلَ قَلِيلاً مِنَ المَالِ؛ فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ بَنَى مَسْجِداً كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ»، وَمَفْحَصُ القَطَاةِ هُوَ المَوْضِعُ الَّذِي تَجْثُو فِيهِ الحَمَامَةُ أَوْ الطَّائِرُ لِتَضَعَ بَيْضَهَا، فَإِذَا كَانَتْ مُسَاهَمَتُكَ اليَسِيرَةُ تُقَابَلُ بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ، فَأَيُّ كَرَمٍ بَعْدَ هَذَا الكَرَمِ؟.
وَلَمْ يَقْتَصِرْ فضلُ الشَّرِيعَةِ عَلَى البِنَاءِ فَحَسْبُ، بَلْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى “تَطْهِيرَ المَسَاجِدِ وَتَنْظِيفَهَا” مِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ، الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَيَفْرَحُ بِهَا، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا الرَّجُلُ ثُمَّ نَسِيَهَا»، وَالقَذَاةُ هِيَ العُودُ الصَّغِيرُ، أَوْ قِشْرَةُ التَّمْرَةِ اليَسِيرَةُ الَّتِي لَا يُؤْبَهُ لَهَا؛ فَمَنْ رَفَعَهَا عَنْ أَرْضِ المَسْجِدِ تَعْظِيماً لِبُيُوتِ اللهِ، كُتِبَتْ لَهُ فِي أَعْلَى الأُجُورِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَقُومُونَ عَلَى نَظَافَةِ المَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا؟، إِنَّهُمْ يَصْنَعُونَ أَعْظَمَ القُرْبَاتِ الَّتِي تُرْضِي رَبَّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي مَكَانَةِ المَسَاجِدِ عِنْدَ خَالِقِ الكَوْنِ؛ فَهِيَ البِقَاعُ الطَّاهِرَةُ، الَّتِي تَتَنَزَّلُ فِيهَا الرَّحَمَاتُ ،وَتَبْتَعِدُ عَنْهَا شُرُورُ الدُّنْيَا؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» [رواه مسلم]، وَقَدْ جَاءَ فِي الأَثَرِ الشَّرِيفِ: «المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ»، فَالمُتَّقِي لَا يَجِدُ رَاحَتَهُ، وَلَا يَشْعُرُ بِأُنْسِهِ، إِلَّا دَاخِلَ هَذِهِ الجُدْرَانِ المـُبَارَكَةِ، فَالْمَشْيُ إِلَيْهَا غَنِيْمَةٌ؛ حَيْثُ “خُطْوَةٌ تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً”، وَمَنْ جَلَسَ فِيهَا عَابِداً ذَاكِراً، اِحْتَضَنَتْهُ المَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَأَحَاطَتْهُ بِأَنْوَارِهَا؛ «حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ».
واعلموا أنَّ النَّجَاةَ الحَقِيقِيَّةَ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، حَيْثُ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الرُّؤُوسِ، وَيَشْتَدُّ الكَرْبُ، هِيَ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ مُعَلَّقَةً بِالْمَحَارِيبِ فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ»،
فَهَذَا التَّعَلُّقُ القَلْبِيُّ يَجْعَلُ العَبْدَ يَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ العَوْدَةَ إِلَى المَسْجِدِ الآخَرِ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَنْ يُكْرِمَهُ اللهُ بِأَمَانِهِ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ. وفي الصحيحين: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ»، ورَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ، فَهُوَ زَائِرُ اللَّهِ، وَحَقٌّ عَلَى المَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ)
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فضائل الأذان، والمساجد، والمكث فيها)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ثم نأتي إلى “طُولِ المُكْثِ وَالِانْتِظَارِ فِي المساجد“: فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ شَهِدَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ بِحَقِيقَةِ الإِيمَانِ، وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ هُمُ الرِّجَالُ حَقًّا، فِي صَحِيفَةِ المَجْدِ الإِلَهِيِّ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [النور:36-38]، فَالرُّجُولَةُ الحَقِيقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ تَتَجَلَّى حِينَ تُقْبِلُ الدُّنْيَا بِأَمْوَالِهَا وَتِجَارَتِهَا، فَيَتْرُكُهَا المَرْءُ لِيَجْلِسَ فِي مِحْرَابِ العُبُودِيَّةِ، خَائِفاً وَجِلاً، طَمَعاً فِي نَيْلِ الرِّزْقِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الحِسَابَ.
وتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ المَكْرُمَةِ العَجِيبَةِ؛ فأَنْتَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ صَامِتٌ أَوْ مُسَبِّحٌ، وَلَكِنَّ الرَّحْمَنَ يَكْتُبُكَ فِي صَلَاةٍ خَاشِعَةٍ مُتَّصِلَةٍ، مَا دَامَ انْتِظَارُ الفَرِيضَةِ هُوَ الَّذِي يَحْبِسُكَ!، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ»، وَقَدْ جَلَّى النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا المَعْنَى عَمَلِيّاً لِأَصْحَابِهِ حِينَ أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ الشَّرِيفِ بَعْدَمَا صَلَّى فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا» [رواه البخاري]،
كما أن الجَالِسَ فِي المَسْجِدِ لَهُ مَقَامُ الصَّائِمِ القَانِتِ المُطِيعِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «وَالقَاعِدُ يَرْعَى الصَّلَاةَ كَالقَانِتِ، وَيُكْتَبُ مِنَ المُصَلِّينَ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ»،
بَلْ إِنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَدْ مَثَّلَهُ النَّبِيُّ بِالْفَارِسِ الشُّجَاعِ الَّذِي اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ يَقْهَرُ عَدُوَّهُ فِي جِهَادٍ مُسْتَمِرٍّ!، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ، كَفَارِسٍ اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كَشْحِهِ -أَيْ عَدُوِّهِ- تُصَلِّي عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُمْ، وَهُوَ فِي الرِّبَاطِ الأَكْبَرِ»،
وَأَعْظَمُ بَرَكَاتِ هَذَا المُكْثِ هِيَ: أَنَّكَ تَسْتَمْطِرُ دُعَاءَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، فقد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ»،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن العجيب أن طُول المُكْثِ في المَسَاجِدِ، وَالِانْتِظَارِ فِيهَا؛ هُوَ القَضِيَّةُ العُظْمَى الَّتِي تَخْتَصِمُ فِيهَا المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ، تَنَافُساً عَلَى كِتَابَةِ أَجْرِهَا!، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ»، فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مَقَامٍ حِينَ يَكُونُ جُلُوسُكَ الصَّامِتُ فِي المَسْجِدِ مَحَلَّ نَظَرِ أَهْلِ السَّمَاءِ وَمُبَاهَاتِهِمْ، وهَذَا المُكْث المُبَارَكَ هُوَ “الرِّبَاطُ الأَكْبَرُ”، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»،
وَمِنْ أَعْظَمِ بَرَكَاتِ الجُلُوسِ فِي بُيُوتِ اللهِ: أَنَّهُ “طَارِدٌ لِلْهُمُومِ، وَمُذْهِبٌ لِلْغُمُومِ وَالوَسَاوِسِ”، لِأَنَّ العَبْدَ يَخْرُجُ مِنْ صَخَبِ الدُّنْيَا لِيَدْخُلَ فِي حِمَى الرَّحْمَنِ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَ الجُلُوسُ لِتَدَارُسِ العِلْمِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، فحِينَئِذٍ، يَنْزِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالبُشْرَى الكُبْرَى!، فقد رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ المَلَائِكَةَ»، ورَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ».
الدعاء
