خطبة عن علم الله وقربه ،وقوله تعالى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
مايو 9, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (تعظيم الحرمات والبلد الحرام)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) [الحج:30]. وقال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (32) الحج. وفي الصحيحين: (أن رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ،فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ».
إخوة الإسلام
إِنَّ تَعْظِيمَ مَا عَظَّمَهُ اللهُ هُوَ لُبُّ التَّقْوَى، وَأَصْلُ الدِّينِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا عَظَّمَهُ اللهُ تَعَالَى هُوَ بَيْتُهُ الحَرَامُ، وَبَلَدُهُ الأَمِينُ، الَّذِي جَعَلَهُ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً، فلَقَدِ اصْطَفَى اللهُ مَكَّةَ لِتَكُونَ مَهْبِطاً لِلْوَحْيِ، وَقِبْلَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَوْجَبَ لَهَا مِنَ الحُرْمَةِ وَالتَّشْرِيفِ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ لِغَيْرِهَا مِنَ البِقَاعِ، فَهِيَ حَرَمُ اللهِ الآمِنُ، الَّذِي لَا يُسْفَكُ فِيهِ دَمٌ، وَلَا يُعْضَدُ فِيهِ شَجَرٌ، وَلَا يُنَفَّرُ فِيهِ صَيْدٌ.
وإِنَّ تَعْظِيمَ البَلَدِ الحَرَامِ يَبْدَأُ مِنْ تَعْظِيمِ “قَدْرِ المَكَانِ” فِي النُّفُوسِ، فلَقَدْ وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ مُخَاطِباً إِيَّاهَا بِقَوْلِهِ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» [رواه الترمذي]. فَمَكَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ جِبَالٍ وَأَوْدِيَةٍ، بَلْ هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلَى الأَرْضِ، مَنْ دَخَلَهَا كَانَ آمِناً،
وَإِنَّ مِنْ تَعْظِيمِهَا: أَنْ يُجْتَنَبَ فِيهَا كُلُّ مَا يُعَكِّرُ صَفْوَ قُدْسِيَّتِهَا، فَالْمَعْصِيَةُ فِيهَا لَيْسَتْ كَالْمَعْصِيَةِ فِي غَيْرِهَا، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج:25]. فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ رَتَّبَ اللهُ العَذَابَ عَلَى “إِرَادَةِ” الظُّلْمِ فِيهَا، فَكَيْفَ بِمَنْ فَعَلَهُ؟
وَمِنْ تَعْظِيمِ الحُرُمَاتِ فِي هَذَا البَلَدِ: “تَعْظِيمُ دِمَاءِ المُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ”، فلَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حُرْمَةِ المَكَانِ وَحُرْمَةِ الإِنْسَانِ، فَقَالَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [رواه البخاري ومسلم].
هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ تَعْظِيمَ البَيْتِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَةِ المُؤْمِنِ، فَمَنْ عَظَّمَ الحَرَمَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ ظُلْمِ العِبَادِ، وَأَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى صِيَانَةِ حُقُوقِهِمْ. إِنَّ الحُرْمَةَ كُلٌّ لَا
يَتَجَزَّأُ، وَالمُعَظِّمُ لِلَّهِ يُعَظِّمُ خَلْقَهُ وَشَرِيعَتَهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ تَعْظِيمَ الحُرُمَاتِ يَشْمَلُ “تَعْظِيمَ شَعَائِرِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ” نَفْسِهَا، فَالتَّلْبِيَةُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالرَّمْيُ، كُلُّهَا مَنَاسِكُ يَنْبَغِي أَنْ تُؤَدَّى بِسَكِينَةٍ وَوَقَار، ولَيْسَ مِنَ التَّعْظِيمِ الزِّحَامُ المُؤْذِي، وَلَا رَفْعُ الأَصْوَاتِ بِمَا لَا يَلِيقُ، وَلَا الِانْشِغَالُ بِالتَّصْوِيرِ وَالمَفَاخَرَةِ عَنْ جَوْهَرِ العِبَادَةِ.
إِنَّ الحَاجَّ وَالمُعْتَمِرَ ضَيْفَانِ عَلَى اللهِ، وَمِنْ أَدَبِ الضِّيَافَةِ تَعْظِيمُ رَبِّ المَنْزِلِ بِخُشُوعِ الجَوَارِحِ وَطَهَارَةِ القَلْبِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ (أَيِ الإِسْرَاعِ)» [رواه البخاري].
وَمِنْ تَمَامِ تَعْظِيمِ الحَرَمِ: “رِعَايَةُ نَظَافَتِهِ وَنِظَامِهِ”، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِقَوْلِهِ: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود) [البقرة:125]. فَتَطْهِيرُ البَيْتِ حِسِّيّاً مِنَ الأَقْذَارِ، وَمَعْنَوِيّاً مِنَ الشِّرْكِ وَاللَّغْوِ، هُوَ مَسْؤُولِيَّةُ كُلِّ مَنْ وَطِئَتْ قَدَمُهُ تِلْكَ الرِّحابَ.
وإِنَّ العَمَلَ عَلَى رَاحَةِ الحُجَّاجِ، وَتَسْهِيلِ سُبُلِهِمْ، وَاحْتِرَامِ الأَنْظِمَةِ المَوْضُوعَةِ لِسَلَامَتِهِمْ، هُوَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ الله، فَالْمُسْلِمُ هُوَ مَنْ كَفَّ أَذَاهُ عَنْ حَرَمِ اللهِ وَعِبَادِهِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (تعظيم الحرمات والبلد الحرام)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ تَعْظِيمَ الحُرُمَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْهَجاً لَنَا، حَتَّى بَعْدَ مُغَادَرَةِ البَلَدِ الحَرَامِ، فَالَّذِي تَعَلَّمَ تَعْظِيمَ “حُرْمَةِ المَكَانِ”، يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ تَعْظِيمَ “حُرْمَةِ الدِّينِ” فِي كُلِّ مَكَانٍ.
وإِنَّ اسْتِهَانَةَ بَعْضِ النَّاسِ بِحُرُمَاتِ اللهِ فِي سَائِرِ البِلَادِ -مِنْ غِيبَةٍ، وَنَمِيمَةٍ، وَأَكْلٍ لِلْحَرَامِ، وَتَفْرِيطٍ فِي الصَّلَوَاتِ- هُوَ نَقْصٌ فِي تَعْظِيمِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ يُعَظِّمُ أَمْرَ اللهِ حَيْثُمَا كَانَ، لِأَنَّ رَبَّ مَكَّةَ هُوَ رَبُّ العَالَمِينَ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَذَكَّرُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ القُلُوبَ تَهْوِي إِلَى هَذَا البَيْتِ لِتَتَزَوَّدَ مِنْهُ بِالتَّقْوَى، فَإِذَا رَأَيْتُمْ هَيْبَةَ الكَعْبَةِ، فَاذْكُرُوا هَيْبَةَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ،
وَإِذَا رَأَيْتُمْ حُرْمَةَ الحَرَمِ، فَاحْفَظُوا حُرْمَةَ جِيرَانِكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ، فإِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تُعَظِّمُ حُرُمَاتِ اللهِ هِيَ أُمَّةٌ مَهَابَةٌ مَنْصُورَةٌ، أَمَّا الَّتِي تَنْتَهِكُ الحُرُمَاتِ وَتَسْتَهِينُ بِالدِّمَاءِ وَالأَعْرَاضِ، فَهِيَ أُمَّةٌ عَرَضَتْ نَفْسَهَا لِسَخَطِ اللهِ. فَلْنَحْذَرْ سُوءَ المُنْقَلَبِ، وَلْنَسْأَلِ اللهَ أَنْ يَمْلأَ قُلُوبَنَا تَعْظِيماً لِشَعَائِرِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فاللَّهُمَّ عَظِّمْ فِي قُلُوبِنَا حُرُمَاتِكَ، وَحَبِّبْ إِلَيْنَا بَيْتَكَ الحَرَامَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِحَرَمِكَ وَبِبَيْتِكَ وَبِأَمْنِ المُسْلِمِينَ سُوءاً فَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِكَ، وَارْزُقْنَا زِيَارَتَهُ مَرَّاتٍ وَكَرَّاتٍ وَنَحْنُ فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَتَوْفِيقٍ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الدعاء
