خطبة عن البغي ،وقوله تعالى ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ )
أبريل 25, 2026الخطبة الأولى (إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]. وروى البخاري في صحيحه: (عنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: «تَرَكَ إِبْرَاهِيمُ هَاجَرَ وَابْنَهَا إِسْمَاعِيلَ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا».
إخوة الإسلام
«إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا»: إِنَّنَا الْيَوْمَ أَمَامَ كَلِمَةٍ لَيْسَتْ كَالْكَلِمَاتِ، كَلِمَةٍ زَلْزَلَتْ أَرْكَانَ الْمُسْتَحِيلِ، وَأَعَادَتْ صِيَاغَةَ مَفْهُومِ الثِّقَةِ بِاللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، إِنَّهَا صَيْحَةُ الْيَقِينِ، الَّتِي انْطَلَقَتْ مِنْ لِسَانِ امْرَأَةٍ صَابِرَةٍ، فِي وَادٍ قَفْرٍ، لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا شَجَرَ، وَلَا أَنِيسَ فِيهِ وَلَا بَشَرَ.
«إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا»: هِيَ الْقَاعِدَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُكْتَبَ بِنُورِ الْإِيمَانِ عَلَى صَفَحَاتِ الْقُلُوبِ الْمَكْرُوبَةِ، فإِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَارَةٍ قَالَتْهَا أُمُّنَا هَاجَرُ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ، لِكُلِّ مَنِ انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَسْبَابُ، وَأُغْلِقَتْ فِي وَجْهِهِ الْأَبْوَابُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الْأَرْبَابِ.
«إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا»: تَأَمَّلُوا فِي الظَّرْفِ الَّذِي قِيلَتْ فِيها هَذِهِ الْكَلِمَةُ: امْرَأَةٌ مَعَهَا طِفْلٌ رَضِيعٌ، ويُتْرَكُ لَهَا جِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءٌ فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ يَقْفُو زَوْجُهَا وَنَبِيُّ اللهِ إِبْرَاهِيمُ مُدْبِراً. فبِالْمَقَايِيسِ الْبَشَرِيَّةِ، هَذَا مَوْتٌ مُحَقَّقٌ، وَضَيَاعٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّ هَاجَرَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لَمْ تَنْظُرْ إِلَى الْوَادِي الْقَفْرِ، وَلَا إِلَى السِّقَاءِ الَّذِي سَيَنْفَدُ، بَلْ نَظَرَتْ إِلَى “الْآمِرِ”، فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ، سَكَنَ رَوْعُهَا، وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهَا، وَنَطَقَتْ بِيَقِينِ الْأَنْبِيَاءِ: «إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا». إِنَّ هَذَا الْفَهْمَ لِلْمَعِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ هُوَ الَّذِي نَفْتَقِدُهُ الْيَوْمَ فِي أَزَمَاتِنَا؛ فنحن نَنْشَغِلُ بِالْبَلَاءِ، وَنَنْسَى رَبَّ الْبَلَاءِ، وَنَنْشَغِلُ بِالْخَلْقِ، وَنَنْسَى الْخَالِقَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وانْتَبِهُوا، فَالْيَقِينُ لَيْسَ مَعْنَاهُ الِاسْتِسْلَامَ لِلْوَاقِعِ بِلَا عَمَلٍ، بَلْ هُوَ “تَحَرُّكٌ بِقَلْبٍ وَاثِقٍ”، فهَاجَرُ لَمْ تَجْلِسْ بِجَانِبِ طِفْلِهَا، تَنْتَظِرُ الْمَوْتَ بَعْدَ أَنْ نَفَدَ الْمَاءُ، بَلْ قَامَتْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، تسعى سَعْيٌ مُجْهِدٌ فِي حَرِّ الشَّمْسِ، تَبْحَثُ عَنْ سَرَابٍ أَوْ غَوْثٍ، فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ مِنْهَا “بَذْلَ السَّبَبِ”، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفاً، لِيُعْطِيَهَا “الْمُسَبِّبُ” رِزْقاً لَمْ يَخْطُرْ لَهَا عَلَى بَالٍ، فَانْفَجَرَتْ زَمْزَمُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيِ الرَّضِيعِ، لَا بِسَعْيِ هَاجَرَ، وَلَكِنْ “بِصِدْقِ” هَاجَرَ، هَكَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ؛ عَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَيَقِينٌ بِالْخَالِقِ، أَنَّهُ لَنْ يُضَيِّعَ هَذَا الْكَدَّ.
«إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا»: فكَمْ نَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي بُيُوتِنَا، وَفِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ!، نحتاجها عِنْدَمَا يَضِيقُ الرِّزْقُ بِرَبِّ الْأُسْرَةِ، وَيَخْشَى عَلَى أَوْلَادِهِ، ونحتاجها عِنْدَمَا تَتَكَالَبُ الْأَمْرَاضُ، وَيَعْجِزُ الْأَطِبَّاءُ، ونحتاجها عِنْدَمَا تَمُورُ الْفِتَنُ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَيَخْشَى الْمُؤْمِنُ عَلَى دِينِهِ وَعَلَى أَجْيَالِهِ، فالله الَّذِي حَفِظَ هَاجَرَ وَطِفْلَهَا فِي وَادٍ مَهْجُورٍ، هُوَ اللهُ الَّذِي يَرَاكَ وَيَسْمَعُكَ الْآنَ، وَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُضَيِّعَ عَبْداً رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَ الِافْتِقَارِ.
وقِصَّة هَاجَرَ تُعَلِّمُنَا: أَنَّ طَاعَةَ اللهِ هِيَ الْأَمَانُ الْحَقِيقِيُّ، فإِبْرَاهِيمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لَمْ يَتْرُكْهُمْ رَغْبَةً عَنْهُمْ، بَلْ طَاعَةً لِرَبِّهِ، وَهَاجَرُ لَمْ تَقْبَلِ الْبَقَاءَ إِلَّا لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي طَرِيقِ اللهِ، وَإِذَا كُنْتَ مُؤَدِّياً لِفَرَائِضِهِ، وَإِذَا كُنْتَ مُجْتَنِباً لِنَوَاهِيهِ؛ فَأَبْشِرْ، فَأَنْتَ فِي حِمَى اللهِ، ومَنْ حَفِظَ اللهَ حَفِظَهُ اللهُ، كَمَا قَالَ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ». فَمَنْ كَانَ مَعَ اللهِ بِالطَّاعَةِ، كَانَ اللهُ مَعَهُ بِالنُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالتَّأْيِيدِ، وَلَنْ يَضِيعَ أَبَداً فِي دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ.
ولَقَدْ كَانَتْ هَاجَرُ تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ أَحَداً، وَأَنَّ الِابْتِلَاءَ لَيْسَ عَلَامَةَ هَوَانٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ طَرِيقاً لِلِاجْتِبَاءِ، فَانْظُرُوا إِلَى عَاقِبَةِ “لَنْ يُضَيِّعَنَا”؛ لَقَدْ صَارَ سَعْيُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ، وَصَارَ مَاؤُهَا (زَمْزَمُ) سُقْيَا لِلْمَلَايِينِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَصَارَ وَادِيهَا (مَكَّةُ) حَرَماً آمِناً تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهَذَا هُوَ جَزَاءُ الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَبْطَأْتَ الْفَرَجَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ يُهَيِّئُ لَكَ مَا لَا يَتَخَيَّلُهُ عَقْلُكَ، فَقَطْ قُلْ بِصِدْقٍ: «إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا».
«إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا»: يَجِبُ أَنْ تَنْعَكِسَ عَلَى أَخْلَاقِنَا وَسُلُوكِنَا، فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يَثِقُ أَنَّ اللهَ لَنْ يُضَيِّعَهُ، لَا يَغُشُّ فِي تِجَارَتِهِ لِيَزِيدَ مَالَهُ، وَلَا يَرْتَشِي لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ، وَلَا يَمْكُرُ بِالنَّاسِ لِيَصِلَ إِلَى غَرَضِهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رِزْقَهُ بِيَدِ اللهِ، وَأَنَّ الْحَلَالَ مُبَارَكٌ وَإِنْ قَلَّ، وَأَنَّ اللهَ سَيَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجاً، فالْيَقِينُ بِعَدَمِ الضَّيَاعِ هُوَ الَّذِي يُورِثُ الْعِزَّةَ، وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الْخَلْقِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فلِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ دَرْساً فِي “التَّرْبِيَةِ بِالْيَقِينِ”، فهَاجَرُ رَبَّتْ إِسْمَاعِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَخَرَجَ إِسْمَاعِيلُ الَّذِي قَالَ لِأَبِيهِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ عِنْدَ الذَّبْحِ: {سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} الصافات:102. فإِنَّ الْبُيُوتَ الَّتِي تَقُومُ عَلَى “لَنْ يُضَيِّعَنَا اللهُ” هِيَ الْبُيُوتُ الَّتِي تُخَرِّجُ الْأَبْطَالَ وَالصَّالِحِينَ، وهِيَ الْبُيُوتُ الَّتِي لَا تَنْهَارُ أَمَامَ الرِّيَاحِ الْعَاتِيَةِ، لِأَنَّ جُذُورَهَا مَغْرُوسَةٌ فِي سَمَاءِ التَّوَكُّلِ.
(إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا) ما أصدقَها من كلمةٍ، خرجت من قلبِ امرأة مؤمنةٍ، واثقةٍ بربِّها،
(إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا) كلمةٌ خالدةٌ تُسطِّرُ أعظمَ معاني الإيمان، وأعظم معاني التوكُّل والرِّضا بقضاء الله وقدره، وقول أمنا هاجر: «إذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا»، تُلقِّن الدنيا درسًا خالدًا في الثِّقةِ بربِّ العالمين. فهي الآن في وادٍ قاحلٌ، لا مَاءَ فيه ولا زَرع، ولا أُنيسَ فيه ولا سَكَن، والزوجُ يَبتعِدُ تاركًا إياها وطفلها الرضيع، ما بينَها وبينَ النَّجاةِ إلّا يقينُها بالله، فهي لم تَسألْ: أينَ الطَّعام؟ ولم تسأل أينَ الماء؟ ولا أينَ النَّاس؟ بل سألت سؤالَ الإيمان: «آللهُ أمركَ بهذا؟». فلمَّا سمعتْ الجوابَ قالت: «إذن لا يُضَيِّعُنا»
أيُّها المسلمون
هذا هو التوكُّلُ الحقُّ، توكل يَملأُ القلبَ أمْنًا وإن خَلتِ اليدان من الرزق، ويُشعِلُ في النَّفسِ نورَ الأملِ وإن أظلَمَتِ الطُّرُق، وهو توكُّلٌ يَدفَعُ إلى العملِ لا إلى العجز والكسل، فهاجرُ (رضِيَ اللهُ عنها) لم تَقعُد تبكي، بل أقبلت تسعَى، نعم، وتَسعَى بينَ الصَّفا والمروة، تبحثُ عن الماء، حتى فَجَّرَ اللهُ لها زمزم، وهكذا يُكافِئُ اللهُ مَن توكَّل عليه، فبعملٍ يسيرٍ، وصبرٍ جميلٍ، يأتيهُ الفرجُ من حيثُ لا يَحتسِب،
فليتذكَّرْ كلُّ مُبتلى ومهمومٍ أنَّ ربَّه الذي لم يُضَيِّعْ هاجرَ في وادٍ بلا ماء ولا زَرعٍ، لن يُضَيِّعَهُ هو في زحمةِ الحياةِ ومِحنِها، فيا مَن ضاقَ عليكَ الرِّزقُ، ويا مَن أظلمتِ أمامَك الطُّرقُ، ويا مَن تفرَّقَ عنكَ الأصحاب والأصدقاءُ، ويا مَن نزلت بكَ الكُروبُ والآلامُ، قُلْ كما قالتْ هاجرُ: «إذن لا يُضَيِّعُنا». فربُّكَ لا يَغفُلُ عنكَ، ولا يَنسى حاجتَكَ، ولا يُخطِئُ موعدَكَ، وفي سنن الترمذي: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». فهلَّا تعلَّمنا من الطَّيرِ ومن أمنا هاجرَ أن نُهاجِرَ من الخوفِ إلى الثِّقة، ومن الشَّكِّ إلى اليقين، ومن الضَّعفِ إلى الاعتمادِ على الله؟،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إنَّ اللهَ تعالى عندَ ظنِّ عبدِهِ به، كما قال النبيُّ ﷺ: «يقولُ اللهُ تعالى: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، فإنْ ظنَّ بي خيرًا فله، وإنْ ظنَّ بي شرًّا فله» (رواه البخاري). فلن يَضيعَ الله من أحسنَ ظنَّهُ بربِّه، ولن يُهمَلَ من صدقَ مع اللهِ في سرِّه وعلَنِه. فمن وثقَ باللهِ، كفاهُ الله، ومن استعانَ به، أعانَه، ومن استغنى به، أغناه، ومن صبرَ عليه، رفعَه، ومن قالَ في قلبِه: «إذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا» ، سَتجِدُ الدُّنيا تُضيءُ له وإن أُطفِئتِ الأنوار.
وقصة هاجر، وقولها (إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا) تذكرنا بقصة الصحابي جليبيب، فهذا الصحابي كان فقيراً، وبه دمامة، أي ليس جميل الصورة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يوماً: ألا تتزوج يا جليبيب؟ قال: ومن يزوجني يا رسول الله؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: أنا أزوِّجك، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يتحيَّن فرصة تزويجه، حتى جاءه رجل أنصاري يعرض ابنته عليه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ .. قَالَ: إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي، قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِجُلَيْبِيبٍ، قال الرجل: أُشَاوِرُ أُمَّهَا، فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ ابْنَتَكِ، فَقَالَتْ: نِعِمَّ، وَنُعْمَةُ عَيْنِي، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ، فَقَالَتْ: أَجُلَيْبِيبٌ إنيه؟ لَا، لَعَمْرُ اللهِ لَا نُزَوِّجُهُ، أمَا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جليبيبًا؟! منعناها من فلان وفلان، ..
والجارية في خدرها وسترها تسمع أمَّها، قالت منْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا، فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي؛ فَإِنَّهُ لَن يُضَيِّعْنِي}،..
{اقتنع الأبوان برأي ابنتهما وقالا لها: صدقتِ، وانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إن كنت قد رضيته فقد رضيناه، ووكَّلا الحبيب صلى الله عليه وسلم في تزويجها، تمَّ أمرُ الزواج، ودعا صلى الله عليه وسلم لتلك الفتاة: (اللهم صُبَّ عليها الخير صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشها كدًّا كدًّا)،
وبعد أيام قليلة دعا داعي الجهاد، فخرج جليبيب إلى المعركة، وبعد انقضاء المعركة، يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه من تفقدون؟ قالوا: ما نفقدُ من أحد، قال: ولكني أفقد جليبيباً، قوموا بنا إلى أرض المعركة، فوجده مُسَجَّىً بدمائه قد استشهد في أرض المعركة، فرفعه صلى الله عليه وسلم على يديه وقبله من جبينه وقال له: يا جليبيب أنت مني وأنا منك،
يقول أنس بن مالك راوي الحديث: فوالله لقد حفرنا قبر جليبيب وماله فراشٌ غير ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزل بنفسه وواراه التراب قال: فما بقي أحدٌ من الحاضرين إلا تمنى أن يكون مكان جليبيب، أما زوجته التي قالت: (فَإِنَّهُ لَن يُضَيِّعْنِي) فما إن انقضت عدتها، حتى تسابق إليها خيرة الرجال، كلٌّ يريد أن يخطبها لنفسه}، نعم (إِذَنْ لَنْ يُضَيِّعَنَا) فمَن عرفَ ربَّه بهذه المعرفةِ لن يجزعَ في الفقر، ولن يَخورَ في البلاء، ولن يتخلّى عن رجائه وإن تأخّرَ الفرج.
الدعاء
