خطبة عن (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)
أبريل 18, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ )
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا” [رواه البخاري ومسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
في هذه الوصايا: يأمر لقمان الحكيم ابنه بالتواضع في مشيه، وبترك السرعة فيه، فكأنه يقول له: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر، ولا تستعجل، ولكن اتئد، واخفض من صوتك، فاجعله قصدا إذا تكلمت، فأكثر ما سيلحظه الناس في تصرفات جوارحك، فيحكمون على طبعك، من خلال مشيك وكلامك فتفطن إلى ذلك،
فهذه الوصية تتضمن بعضا من مكارم الأخلاق: ومنها: التَّوسط في المشي: فيكون بين الإسراع والإبطاء، ويكون مستويًا في مشيته، لا اختلال فيها، حتى لا يكون فيها شيء من الاستعلاء والتكبّر، وكذا الخفض من درجة الصوت: بحيث تكون درجة الصوت في حدود حاجة السائل، فلا يكون فيه من التّكلّف بحيث يؤذي السامع، والجاهليّة كانوا يتفاخرون برفع الصوت.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وهكذا يَخْتِمُ لُقْمَانُ الحَكِيمُ وَصَايَاهُ لِابْنِهِ بِقَاعِدَةٍ ذَهَبِيَّةٍ فِي أَدَبِ المَظْهَرِ وَالجَوْهَرِ، وَهِيَ قَاعِدَةُ “القَصْدِ” وَالاعْتِدَالِ، فَقَوْلُهُ: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أَيْ لَا تُسْرِعْ إِسْرَاعاً يُذْهِبُ الوَقَارَ، وَلَا تَبْطُئْ بُطْءاً يُشْعِرُ بِالتَّمَاوُتِ وَالكَسَلِ، بَلْ كُنْ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً، ومِشْيَةَ المُؤْمِنِ مِرْآةٌ لِنَفْسِهِ؛ فَالَّذِي يَمْشِي بِتَوَاضُعٍ وَسَكِينَةٍ يَنْشُرُ الهَيْبَةَ فِي قُلُوبِ مَنْ يَرَاهُ،
ولَقَدْ كَانَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤاً كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَكَانَتْ مِشْيَتُهُ مِشْيَةَ أُولِي العَزْمِ، لَا بَطَرَ فِيهَا وَلَا تَصَنُّعَ، فالقَصْدُ فِي المَشْيِ هُوَ اعْتِدَالُ المَنْهَجِ فِي الحَيَاةِ كُلِّهَا؛ فَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحَكِيمُ إِلَى أَدَبِ اللِّسَانِ وَسِيَاسَةِ الصَّوْتِ، فَيَقُولُ: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ}: وَالغَضُّ هُوَ النَّقْصُ وَالخَفْضُ؛ فَلَا يَرْفَعُ الإِنْسَانُ صَوْتَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَأَذَانٍ أَوْ خُطْبَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ، أَمَّا رَفْعُ الصَّوتِ فِي المَجَالِسِ وَالخُصُومَاتِ وَالطُّرُقَاتِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الحُجَّةِ وَخِفَّةِ العَقْلِ، فإِنَّ الأَدَبَ الرَّفِيعَ يَسْتَلْزِمُ الصَّوْتَ الهَادِئَ الذِي يَنْفُذُ إِلَى القُلُوبِ بِرِفْقٍ، لَا الصَّوْتَ الصَّارِخَ الذِي يَنْفِرُ مِنْهُ النَّاسُ، فَمَنْ مَلَكَ نَبْرَةَ صَوْتِهِ، مَلَكَ نَوَاصِيَ العُقُولِ، وَمَنْ أَرْسَلَ لِصَوْتِهِ العَنَانَ بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، فَقَدْ جَنَى عَلَى وَقَارِهِ وَهَيْبَتِهِ.
ولَقَدْ اسْتَعْمَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ تَنْفِيراً بَلِيغاً مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِلَا فَائِدَةٍ، فَقَالَ: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}، وَهَذَا التَّشْبِيهُ يَقْطَعُ عِذْرَ المُبَاهِينَ بِأَصْوَاتِهِمْ؛ فَلَوْ كَانَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فَضِيلَةٌ، لَكَانَ الحِمَارُ أَفْضَلَ مِنَ الإِنْسَانِ، فهَذَا التَّقْبِيحُ لِلصَّوْتِ العَالِي يُعَلِّمُنَا أَنَّ الجَمَالَ فِي الهُدُوءِ، وَالقُوَّةَ فِي الصَّمْتِ الطَّوِيلِ وَالكَلامِ القَلِيلِ، فإِنَّ الحِمَارَ لَا يَنْهَقُ إِلَّا لِشَيْءٍ رَآهُ مِنَ الشَّرِّ، وَكَذَلِكَ الصَّارِخُ فِي وُجُوهِ الخَلْقِ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَدْرِهِ غَالِباً إِلَّا الغَضَبُ أَوِ الطَّيْشُ.
وإِنَّ هَذِهِ الوَصَايَا فِي خِتَامِ سُورَةِ لُقْمَانَ تَرْسُمُ شَخْصِيَّةَ “المُؤْمِنِ الرَّزِينِ”، فالمُؤْمِنُ الذِي يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ هَوْناً، وَيَتَحَدَّثُ إِلَى النَّاسِ لِيناً، ولَقَدْ بَدَأَ لُقْمَانُ بِالتَّوْحِيدِ (عَلَاقَةُ العَبْدِ بِرَبِّهِ)، ثُمَّ انْتَقَلَ لِلصَّلَاةِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ (دَوْرُ العَبْدِ فِي أُمَّتِهِ)، وَخَتَمَ بِالمَشْيِ وَالصَّوْتِ (أَدَبُ العَبْدِ فِي نَفْسِهِ). إِنَّ دِينَنَا دِينُ شُمُولٍ، لَمْ يَتْرُكْ حَتَّى هَيْئَةَ المَشْيِ وَنَبْرَةَ الصَّوْتِ إِلَّا وَوَضَعَ لَهَا مِيزَاناً، فَمَنْ أَرَادَ الحِكْمَةَ، فَلْيَلْزَمْ غَرْزَ هَذِهِ الوَصَايَا، وَلْيَكُنْ مِثَالاً لِلإِسْلَامِ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان:63]. وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْهِينَ اللَّيِّنَ السَّهْلَ” [رواه الطبراني في الكبير وحسنه الألباني بمجموع طرقه].
وتَطْبِيقَ وَصَايَا لُقْمَانَ فِي حَيَاتِنَا المُعَاصِرَةِ يَعْنِي كَفَّ الأَذَى عَنِ النَّاسِ؛ فَالقَصْدُ فِي المَشْيِ يَدْخُلُ فِيهِ اليَوْمَ القَصْدُ فِي قِيَادَةِ المَرْكَبَاتِ بِلَا طَيْشٍ وَلَا تَهَوُّرٍ يُزْعِجُ العِبَادَ، وَالغَضُّ مِنَ الصَّوْتِ يَدْخُلُ فِيهِ عَدَمُ رَفْعِ أَصْوَاتِ المِذْيَاعِ أَوِ الآلاتِ بِمَا يُؤْذِي الجِيرَانَ، فالإِسْلَامُ ذَوْقٌ وَأَدَبٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَعَائِرَ تُؤَدَّى، فحِينَ نَغْضُضُ مِنْ أَصْوَاتِنَا، نُعْطِي مَسَاحَةً لِعُقُولِنَا أَنْ تُفَكِّرَ، وَلِقُلُوبِنَا أَنْ تَخْشَعَ.
وجاء في تفسير السعدي: (وهذه الوصايا، التي وصى بها لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرا، وإلى تركها إن كانت نهيا…فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة اللّه، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها. ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك. وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، وحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصا بالحكمة، مشهورا بها. ولهذا من منة اللّه عليه وعلى سائر عباده، أن قص عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
لَقَدِ انْتَهَتْ وَصَايَا لُقْمَانَ، ولَكِنَّ أَثَرَهَا لَا يَنْتَهِي، فلَقَدْ تَرَكَ لَنَا مَنْهَجاً تَرْبَوِيّاً مُتَكَامِلاً يَصْلُحُ لِكُلِّ زَمَانٍ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَبْنَائِكُمْ، اجْلِسُوا مَعَهُمْ، وَحَاوِرُوهُمْ بِلُطْفٍ كَمَا فَعَلَ لُقْمَانُ مَعَ ابْنِهِ، وَاغْرِسُوا فِيهِمْ عَظَمَةَ الخَالِقِ وَجَمَالَ الخُلُقِ.
ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَرْزُقَنَا الحِكْمَةَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ )
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ مَدْرَسَةَ لُقْمَانَ لَا تَهْتَمُّ فَقَطْ بِمَا فِي الغُرَفِ المُغْلَقَةِ، بَلْ تَهْتَمُّ بِمَا يَرَاهُ النَّاسُ مِنْكَ فِي الطَّرِيقِ، وَمَا يَسْمَعُونَهُ مِنْكَ فِي المَجَالِسِ، فهِيَ دَعْوَةٌ لِلْقَصْدِ وَالِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَهَمْسَةٍ.
وتَأَمَّلُوا فِي آخِرِ لَمَسَاتِ لُقْمَانَ لِبِنَاءِ شَخْصِيَّةِ ابْنِهِ: فَلْسَفَةُ القَصْدِ فِي المَشْيِ: قَالَ تَعَالَى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}: وَالقَصْدُ هُوَ الوَسَطُ بَيْنَ الإِسْرَاعِ المُمِلِّ وَالتَّبَاطُؤِ الـمُخِلِّ، فيُرِيدُ لُقْمَانُ أَنْ يَقُولَ لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ، لَا تَمْشِ مِشْيَةَ التَّائِهِينَ، وَلَا مِشْيَةَ الـمُتَكَبِّرِينَ، بَلْ اجْعَلْ مِشْيَتَكَ مِشْيَةً ذَاتَ هَدَفٍ وَوَقَارٍ”، فمِشْيَةُ المُؤْمِنِ تَعْكِسُ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ هُدُوءٍ وَثَبَاتٍ.
ومن لمسات الوصية: أَدَبُ الحَدِيثِ وَغَضُّ الصَّوْتِ: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ}: فلَمْ يَقُلْ “انْعَدِمْ” صَوْتَكَ، بَلْ “اغْضُضْ”، أَيْ انْقُصْ مِنْ حِدَّتِهِ وَارْتِفَاعِهِ، فالجَمَالُ لَيْسَ فِي الصُّرَاخِ، وَالقُوَّةُ لَيْسَتْ فِي ضَجِيجِ الحَنَاجِرِ، فالمُؤْمِنُ يَكُونُ صَوْتُهُ عَلَى قَدْرِ حَاجَةِ سَامِعِهِ، فَلَا يُزْعِجُ جَالِساً، وَلَا يُنَفِّرُ سَامِعاً.
ومن لمسات الوصية: التَّنْفِيرُ مِنَ الصَّوْتِ العَالِي: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}: فانْظُرُوا إِلَى هَذَا التَّشْبِيهِ المُنَفِّرِ!، لِيُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ ارْتِفَاعَ الصَّوْتِ دُونَ دَاعٍ هُوَ خُرُوجٌ عَنِ الفِطْرَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَسُلُوكٌ يَقْتَرِبُ مِنْ حَالِ الحَيَوَانِ، فالإِنْسَانُ عَقْلٌ وَرُوحٌ، وَأَدَبُهُ فِي مَنْطِقِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
والسؤال: كَيْفَ نُحَوِّلُ هَذِهِ الوَصِيَّةَ إِلَى ثَقَافَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ؟، والجواب: أَوَّلًا: الوَقَارُ فِي المَسَاجِدِ وَالمَحَافِلِ: فلَا تُزْعِجْ إِخْوَانَكَ بِرَفْعِ صَوْتِكَ حَتَّى فِي قِرَاءَةِ القُرْآنِ إِذَا كَانَ يُؤْذِي الـمُصَلِّينَ. فالقَصْدُ فِي الحَرَكَةِ وَغَضُّ الصَّوْتِ هُمَا سِمَةُ أَهْلِ اللهِ.
ثَانِيًا: تَرْبِيَةُ الأَبْنَاءِ عَلَى الـمَنْطِقِ الحَسَنِ: فعَلِّمْ وَلَدَكَ أَنَّ قُوَّةَ حُجَّتِهِ لَيْسَتْ فِي ارْتِفَاعِ صَوْتِهِ، بَلْ فِي نَزَاهَةِ كَلِمَتِهِ، واِجْعَلْ بَيْتَكَ هَادِئاً، يَسُودُ فِيهِ أَدَبُ الحِوَارِ لَا ضَجِيجُ الشِّجَارِ.
ثالثًا: الِاعْتِدَالُ فِي الطَّلَبِ: (اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) تَعْنِي أَيْضاً الِاعْتِدَالَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، فلَا تَمْشِ خَلْفَهَا مَشْيَ الـمُلْهَثِ، بَلْ امْشِ بِهُدُوءِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ رِزْقَهُ مَكْتُوبٌ وَأَنَّ سَعْيَهُ مَشْكُورٌ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. لَقَدْ كَانَتْ وَصَايَا لُقْمَانَ رِحْلَةً مُتَكَامِلَةً؛ بَدَأَتْ بِالسَّمَاءِ (التَّوْحِيدِ) وَخُتِمَتْ بِالأَرْضِ (المَشْيِ وَالصَّوْتِ)، فهَذَا هُوَ دِينُنَا، عَقِيدَةٌ فِي القَلْبِ، وَجَمَالٌ فِي الوَاقِعِ.
فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا السَّمْتَ الصَّالِحَ وَالوَقَارَ، واجْعَلْ حَدِيثَنَا ذِكْراً، وَصَمْتَنَا فِكْراً، وَمَشْيَنَا فِي مَرْضَاتِكَ.
الدعاء
