خطبة عن (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: الإِيمَانُ وَعَدَمُ الشِّرْكِ)
أبريل 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: اللهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16]. وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: “يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ”
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ مَدَارَ الصَّلَاحِ كُلِّهِ يَعُودُ إِلَى قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ اسْتِقْرَارُ عِلْمِ اللهِ المُحِيطِ فِي سُوَيْدَاءِ القَلْبِ، ولَقَدْ أَرَادَ لُقْمَانُ الحَكِيمُ أَنْ يَغْرِسَ فِي نَفْسِ ابْنِهِ “المُرَاقَبَةَ الذَّاتِيَّةَ” الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ، فضَرَبَ لَهُ المَثَلَ بِأَصْغَرِ الأَشْيَاءِ؛ “حَبَّةُ الخَرْدَلِ”، تِلْكَ الَّتِي لَا تُكَادُ تُرَى، لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً فِي بَطْنِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ فِي أَعْمَاقِ الأَرْضِ، أَوْ تِيهِ السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ يُحِيطُ بِهَا، وَقُدْرَتَهُ تَأْتِي بِهَا، وهَذَا المَشْهَدُ التَّرْبَوِيُّ يَجْعَلُ العَبْدَ يَعِيشُ فِي حَيَاءٍ دَائِمٍ مَعَ رَبِّهِ، لَا يَخْشَى بَطْشَ البَشَرِ كَمَا يَخْشَى مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
وتَأَمَّلُوا فِي صِفَاتِ اللهِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا لُقْمَانُ وَصِيَّتَهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}: فَهُوَ سبحانه “لَطِيفٌ”، يَعْلَمُ دَقَائِقَ الأُمُورِ وَخَفَايَاهَا، وَهو سبحانه “خَبِيرٌ” بِبَوَاطِنِ الحَقَائِقِ وَأَسْرَارِهَا، فإِنَّ عِلْمَ اللهِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ؛ يَعْلَمُ دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا المَعْنَى فِي نَفْسِ المُؤْمِنِ، انْضَبَطَتْ جَوَارِحُهُ؛ فَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى حَرَامٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّاهِدَ هُوَ الحَاكِمُ، وَلَا يَنْطِقُ بِزُورٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الكَلِمَةَ تُسَجَّلُ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ، فالإِيمَانُ بِعِلْمِ اللهِ هُوَ أَعْظَمُ زَاجِرٍ عَنِ المَعَاصِي، وَأَقْوَى دَافِعٍ لِلْإِخْلَاصِ.
ومن العجيب أنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْذَرُ نَظَرَ المَخْلُوقِ، وَيَسْتَهِينُ بِنَظَرِ الخَالِقِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الجَهْلِ العَظِيمِ بِقدْرة اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء:108]،
وانظروا إلى مراقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخوفه من ربه، ففي الصحيحين: (عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ «لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا»، وقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصالح يَقُولُونَ: “لَا تَجْعَلِ اللهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ”،
إِنَّ خَلَوَاتِ المُؤْمِنِ هِيَ المِيدَانُ الحَقِيقِيُّ لِلإِيمَانِ؛ فَمَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ فِي السِّرِّ، أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فِي العَلَانِيَةِ، وَمَنْ خَافَ اللهَ حَيْثُمَا كَانَ، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وعن علي (رضي الله عنه) أنه قال: (لكل شيء جواني وبراني، فمن أصلح جوانيه، أصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه، يفسد الله برانيه).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وجاء في قصة موسى والخضر كما في الصحيحين: (يَا مُوسَى! إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَهُ لاَ أَعْلَمُهُ. انطَلَقا، وبينَما هُما على السَّفينة جَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى! مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ»،
فعِلْم اللهِ الشَّامِل يَبْعَثُ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ الطُّمَأْنِينَةَ وَالرِّضَا؛ فَإِذَا ظُلِمْتَ وَلَمْ يَعْلَمِ النَّاسُ بِمَظْلَمَتِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ، وَإِذَا أَحْسَنْتَ وَلَمْ يَشْكُرْكَ أَحَدٌ، فَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَحْصَاهُ لَكَ، وأنَّ الحَبَّةَ الَّتِي فِي الصَّخْرَةِ سَيُؤْتَى بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، لِتُوضَعَ فِي مِيزَانِ الحَسَنَاتِ، أَوِ في ميزان السَّيِّئَاتِ، فَلَا تَسْتَصْغِرَنَّ حَسَنَةً تَفْعَلُهَا فِي خَفَاءٍ، وَلَا تَسْتَهِينَنَّ بِسَيِّئَةٍ تَقْتَرِفُهَا فِي سِتْرٍ؛ فَمَنْ يَعْلَمُ مَكَانَ الذَّرَّةِ فِي مَلَكُوتِهِ، لَا يَنْسَى مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ عَمَلِكَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [يونس:61]. وَفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ” [رواه أحمد، وصححه الألباني].
فمن الملاحظ أنَّ مَقْصِدَ لُقْمَانَ مِنْ هَذِهِ الوَصِيَّةِ: هُوَ رَبْطُ الأَجْيَالِ بِخَالِقِهَا رَبْطاً غَيْبِيّاً مَتِيناً، فحِينَ نُعَلِّمُ أَبْنَاءَنَا أَنَّ اللهَ مَعَهُمْ، لَا نَحْتَاجُ بَعْدَهَا إِلَى رَقِيبٍ بَشَرِيٍّ يُلَاحِقُهُمْ، لأنَّ العِلْمَ الإِلَهِيَّ هُوَ الضَّمَانُ الوَحِيدُ لِلأَمَانَةِ فِي العَمَلِ، وَالعِفَّةِ فِي النَّفْسِ، وَالصِّدْقِ فِي القَوْلِ، فَمَنْ نَجَحَ فِي اخْتِبَارِ “حَبَّةِ الخَرْدَلِ”، نَجَحَ فِي كُلِّ مَيَادِينِ الحَيَاةِ، وإيمانه بأنَّ اللهَ الذِي سَيَأْتِي بِتِلْكَ الحَبَّةِ، سَيَأْتِي بِكُلِّ مَا بَذَلْتَهُ مِنْ خَيْرٍ، وَسَيَجْزِيكَ عَنْ نِيَّتِكَ الصَّالِحَةِ الَّتِي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا إِلَّا هُوَ، كل ذلك يدعو المرء لفعل الخيرات، واجتناب السيئات.
فلِنَجْعَلْ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ شِعَاراً لَنَا فِي تَعَامُلَاتِنَا؛ فِي بَيْعِنَا وَشِرَائِنَا، فِي خَلَوَاتِنَا مَعَ هَوَاتِفِنَا، وَفِي أَمَانَاتِنَا الَّتِي نَحْمِلُهَا، وتذكروا دَائِماً: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ)، فَمَنْ خَافَ الوُصُولَ إِلَى اللهِ بِذَنْبٍ، فَلْيُبَادِرْ بِالتَّوْبَةِ الآنَ قَبْلَ أَنْ تُكْشَفَ الأَسْتَارُ، ونَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا خَشْيَتَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ سَرِيرَتَنَا خَيْراً مِنْ عَلَانِيَتِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْبُدُكَ كَأَنَّهُ يَرَاكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاكَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: اللهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
فبَعْدَ أَنْ حَذَّرَ لُقْمَانُ ابْنَهُ مِنَ الشِّرْكِ، أَرَادَ أَنْ يَرْبِطَ قَلْبَهُ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، فَقَالَ لَهُ كَلِمَاتٍ تُزَلْزِلُ النَّفْسَ: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان:16].. وتَأَمَّلُوا فِي دِقَّةِ هَذَا المَشْهَدِ الرَّقَابِيِّ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ: فلَمْ يَقُلْ حَبَّةَ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ، بَلْ “خَرْدَلٍ”؛ لِتَنَاهِيهَا فِي الصِّغَرِ، فيُرِيدُ لُقْمَانُ أَنْ يَقُولَ لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ، لَا تَسْتَهِنْ بِالصَّغِيرَةِ، وَلَا تَحْتَقِرْ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً؛ فَإِنَّ عِنْدَ اللهِ مَوَازِينَ لَا تُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَتْهَا”.
وقوله: (فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ): فانْظُرُوا إِلَى مَوَاطِنِ الخَفَاءِ؛ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الحَبَّةُ مُسْتَتِرَةً فِي جَوْفِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ، تَحْتَ أَرْضٍ سَابِعَةٍ، أَوْ ضَائِعَةً فِي فِجَاجِ السَّمَاوَاتِ العُلَى، فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ مُحِيطٌ بِهَا، فلَا يُوجَدُ “مَكَانٌ مُغْلَقٌ” أَمَامَ عِلْمِ اللهِ، وَلَا تُوجَدُ “خَلْوَةٌ” مَسْتُورَةٌ عَنْ بَصَرِهِ سُبْحَانَهُ، قال تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59) الانعام، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (7) المجادلة
وقوله: (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ): فلَيْسَ فَقَطْ يَعْلَمُهَا، بَلْ “يَأْتِي بِهَا” يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَكَ عَلَيْهَا، فسَتُكْشَفُ الأَسْرَارُ، وَتُبْلَى السَّرَائِرُ، وَيَجِدُ العَبْدُ مَا عَمِلَ من عمل مَحْضَراً، وهَذَا اليَقِينُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ يَسْتَحِي مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ، فإنَّكَ أيها الانسان إِذَا فَعَلْتَ خَيْراً بَسِيطاً، لَا يَرَاهُ أَحَدٌ، فَإِنَّ اللهَ “يَأْتِي بِهِ”، وأَنَّ الهَوَاتِفَ الذَّكِيَّةَ، وَالغُرَفَ المُغْلَقَةَ، هِيَ “الصَّخْرَةُ” فِي زَمَانِنَا هذا، فَلْيَحْذَرِ العَبْدُ أَنْ يَجْعَلَ اللهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [لقمان:16]. فالسؤال: كَيْفَ نَحْيَا بِيَقِينِ (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير) ؟، والجواب: أَوَّلًا: بإِصْلَاحُ السَّرِيرَةِ: بأن يَهْتَمُّ بِبَاطِنِهِ أَكْثَرَ مِنْ ظَاهِرِهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ نَظَرَ المَخْلُوقِ إِلَى ثِيَابِهِ، وَنَظَرَ الخَالِقِ إِلَى قَلْبِهِ، فطَهِّرْ قَلْبَكَ مِنَ الحِقْدِ وَالرِّيَاءِ، فَإِنَّ اللهَ “يَأْتِ بِهَا”.
ثَانِيًا: تَقْوَى اللهِ فِي الغَيْبِ: فحِينَ تَكُونُ وَحْدَكَ خَلْفَ الشَّاشَاتِ، تَذَكَّرْ حَبَّةَ الخَرْدَلِ، فتَمَنَّعْ عَنِ الحَرَامِ لَا خَوْفاً مِنَ القَانُونِ، بَلْ حُبّاً وَتَعْظِيماً لِلَّطِيفِ الخَبِيرِ.
ثَالِثًا: التَّفَاؤُلُ بِعَدْلِ اللهِ: فإِذَا ظُلِمْتَ وَلَمْ يَشْهَدْ لَكَ أَحَدٌ، فَاطْمَئِنَّ؛ فَإِنَّ حَقَّكَ المَضِيعَ هُوَ “مِثْقَالُ حَبَّةٍ” سَيَأْتِي بِهَا اللهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. مَنْ رَاقَبَ اللهَ فِي خَوَاطِرِهِ، حَفَظَهُ اللهُ فِي جَوَارِحِهِ، فاِجْعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ نِبْرَاساً فِي بُيُوتِكُمْ، وعَلِّمُوهَا لِأَبْنَائِكُمْ، لِيَكُونَ “الضَّمِيرُ الإِيمَانِيُّ” هُوَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَغِيبُونَ عَنْهُمْ.
فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. واجْعَلْ سَرِيرَتَنَا خَيْراً مِنْ عَلَانِيَتِنَا، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً.
الدعاء
