خطبة عن (ميلادُ النَّبِيِّ)
أغسطس 19, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الرَّسُولُ القُدْوَةُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21).
إخوة الإسلام
إِنَّ من أَعْظَم النِّعَمِ الَّتِي مَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمن أَجَل المِنَحِ الَّتِي طَوَّقَ الله بِهَا أعناق البَشَرِيَّةِ، هِيَ بِعْثَةُ النَّبِيِّ المُمَجَّدِ، وَالرَّسُولِ المُنَوَّرِ، مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَنَاراً لِلسَّالِكِينَ، وَقُدْوَةً لِلْعَالَمِينَ، وَشَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً.
وإِنَّ الاِقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ نَفَلًا مِنَ القَوْلِ، وَلا حَرَكَةً شَكْلِيَّةً، تَقِفُ عِنْدَ ظَوَاهِرِ الأُمُورِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ، وَلُبُّ التَّوْحِيدِ، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فكَيْفَ يَضِلُّ مَنْ جَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ إِمَامَهُ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ؟، وَكَيْفَ يَحْتَارُ فِي ظُلُمَاتِ الفِتَنِ وَالمَذَاهِبِ، مَنْ أَبْصَرَ نُورَ سُنَّتِهِ، وَاسْتَنَّ بِهَدْيِهِ؟.
وإِنَّ العَجَبَ كُلَّ العَجَبِ، مِنْ أُمَّةٍ لَدَيْهَا السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ الكَامِلَةُ، وَالمَنَهَجُ المَعْصُومُ، ثُمَّ يَلْتَمِسُ أَبْنَاؤُهَا القُدْوَاتِ مِنْ شَرِقِ الأَرْضِ وَغَرْبِها، مِمَّنْ يَظْلمونَ أَنْفُسَهُمْ، واستولت عليهم الشياطين، وتحكمت في سلوكهم الأهواء والشهوات،
وفي الحديث النبوي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (رواه البخاري). فإِنَّ التَّحْلِيلَ السُّلُوكِيَّ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ حِينَ تَنَحَرِفُ عَنْ سَبِيلِ القُدْوَةِ النَّبَوِيَّةِ، يَكْشِفُ عَنْ خَلَلٍ عَمِيقٍ فِي مَفْهُومِ “الأُسْوَةِ”، فالإِنْسَانُ بِطَبْعِهِ مَخْلُوق جُبِلَ عَلَى التَّأَثُّرِ وَالمُحَاكَاةِ؛ فَإِذَا أُفْرِغَ القَلْبُ مِنْ حُبِّ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ، امْتَلأَ تَّلْقَائِيّاً بِتَعْظِيمِ التَّافِهِينَ، وَالتَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الغَفْلَةِ وَالعِصْيَانِ.
فانْظُرُوا فِي سُلُوكِيَّاتِ جِيلِنَا المعاصر، فحِينَ قَلَّتْ مَعْرِفَتُهُمْ بِالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وصَارَتِ الأَخْلاَقُ تُسْتَقَى مِنْ مَنَصاتِ التَّوَاصُلِ، وَصَارَتِ المَفَاهِيمُ عَنِ الشَّجَاعَةِ، وَالْكَرَمِ، وَالْعِزَّةِ، وَالْنَّجَاحِ تُمَثَّلُ فِي أَنْمَاطٍ مَادِّيَّةٍ مُنْحَرِفَةٍ، وغَابَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أُسْوَةً حَيَّةً فِي بَيْتِهِ، وَمَعَ أَهْلِهِ، وَفِي سُوقِهِ، وَفِي مَحْرَابِهِ، وَفِي مَيْدَانِ جِهَادِهِ، وَفِي قَضَائِهِ بَيْنَ النَّاسِ، لَمْ يَتَنَقَّصْ حَقّاً، وَلَمْ يَظْلِمْ نَفْساً، وَلَمْ يَدَعْ خَيْراً إِلاَّ دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، فترتب على ذلك كله خلل في السلوك، وانحدار في الطباع، فكانت ثمرته الانحراف عن جادة الطريق، والغرق في مستنقع الرزيلة، فضاع الفرد والمجتمع.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران:31). وفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ» (رواه البخاري ومسلم).
فتَأَمَّلُوا هَذَا الخُلُقَ العَظِيمَ، الَّذِي لا يَصْدُرُ إِلاَّ عَنْ قَلْبٍ امْتَلأَ رَحْمَةً وَحِلْماً وَتَواضُعاً، فأَيْنَ هَذِهِ القُدْوَةُ فِي بُيُوتِنَا اليَوْمَ؟، وأَيْنَ هِيَ فِي تَعَامُلِ الآبَاءِ مَعَ الأَبْنَاءِ، وَالرُّؤَسَاءِ مَعَ المرؤوسين؟.
إِنَّ التَّعَامُلَ النَّبَوِيَّ الرَّاقِيَ لَمْ يَكُنْ شِعَاراً بَرَّاقاً، بَلْ كَانَ وَاقِعاً يُعَاشُ، يَفِيضُ حَنَاناً وَسَكِينَةً، وإِنَّ القُدْوَةَ النَّبَوِيَّةَ بَنَتْ رِجَالاً خَالِدِينَ، فُتِحَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا، لاَ بِالسَّيْفِ وَحْدَهُ، بَلْ بِنُورِ الأَخْلاَقِ، الَّتِي اقْتَبَسُوهَا مِنْ نبي الرحمة مُحَمَّدٍ ﷺ. ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ» (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني).
فالنَّبِيَ ﷺ كَانَ القُدْوَةَ المَطْلَقَةَ فِي كُلِّ مَجَالاَتِ الحَيَاةِ؛ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ زَوْجاً صَالِحاً، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْيِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَبَاً رَحِيماً، فَلْيُطَالِعْ حُنُوَّهُ عَلَى بَنَاتِهِ وَأَحْفَادِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَائِداً حَكِيماً، فَلْيَدْرُسْ سِيَاسَتَهُ لِلأُمَّةِ فِي السَّلْمِ وَالحَرْبِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَابِداً خَاشِعاً، فَلْيَسْأَلْ عَنْ قِيَامِهِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فلَمْ يَكُنْ هَدْيُهُ ﷺ شَرِيعَةً جَافَّةً، بَلْ كَانَ نَبْضاً يُصَاحِبُ الإِنْسَانَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ. وفي الحديث: عَنْ عَائشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» (رواه مسلم).
لذا كان من الواجب علينا نحن- معشر المسلمين- أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل مجالات حياتنا، وأن يكون هديه نصب أعيننا، وأن تكون سنته هي نهجنا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر:7).
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا». فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ – ثُمَّ قَالَ – ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ». وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»،
ويبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم حال من اتبعه واقتفى أثره، وسار على طريقته وسنته، وحال من خالفه، واتبع شيطانه وهواه، ففي صحيح البخاري (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (الرَّسُولُ القُدْوَةُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إن وجود القدوة الحسنة في حياة الأمم والشعوب والدعوات ضرورة حتمية، ليُقتدَى بها، لذلك جعل الله تعالى الرسولَ صلى الله عليه وسلم قدوةً ونموذجًا، يجسِّد الدين الذي أُرِسَل به ، حتى يعيش الناس مع هذا الدين واقعًا حقيقيًّا بعيدًا عن الأفكار المجردة، فكان هذا الرسول (عليه الصلاة والسلام) خيرَ قدوة للأمة في تطبيق هذا الدين، ليكون منارًا لها إلى يوم القيامة،
لذا فإنه يجب على كل مسلم الاقتداء والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم; فالاقتداء أساس الاهتداء، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21).
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوةً كاملةً في جميع جوانب سيرته، إيمانيًّا وتعبديًّا وخُلقًا وسلوكًا وتعاملاً مع غيره، وفي جميع أحواله، كانت سيرته مثاليةً للتطبيق على أرض الواقع، ومؤثرةً في النفوس البشرية؛ فقد اجتمعت فيها صفات الكمال، وإيحاءات التأثير البشري، واقترن فيها القول بالعمل،
ولا ريب أن القدوة العملية أقوى تأثيرًا في النفوس من الاقتصار على الإيحاء النظري؛ لهذه العلة أرسل الله تعالى الرسل ليخالطهم الناسُ ويقتدوا بهداهم، وأرسل الله سبحانه الرسولَ صلى الله عليه وسلم ليكون للناس أسوةً حسنةً يقتدون به، ويتأسون بسيرته.. (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ) الأنعام: (90).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65). فَإِنَّ مَقَامَ القُدْوَةِ يَقْتَضِي الانْقِيَادَ التَّامَّ، وَالتَّسْلِيمَ المَطْلَقَ لأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَهْيِهِ، دُونَ تَرَدُّدٍ، أَوْ تَقْدِيمٍ لِلْعَقْلِ أَوْ الهَوَى عَلَى النَّصِّ الشَّرِيعِ.
واعلموا أنَّ أَعْظَمَ خَلَلٍ يُصِيبُ الأُمَّةَ فِي مَسَارِهَا الإِيمَانِيِّ، هُوَ أَنْ تُصْبِحَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ مَجَالاً لِلْمُسَاوَمَةِ أَوْ الاِعْتِرَاضِ، أَوْ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهَا بِمَعَايِيرِ العَصْرِ المُنْحَرِفَةِ، فمَنْ عَرَفَ كَمَالَ الرَّسُولِ ﷺ، عَلِمَ أَنَّ فِي اتِّبَاعِهِ العِزَّ وَالفَلاَحَ، وَفِي مُخَالَفَتِهِ الذُّلَّ وَالصَّغَارَ، وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أحمد وصححه الألباني).
فَالْتَزِمُوا هَدْيَ نَبِيِّكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَاجْعَلُوهُ القُدْوَةَ الإِمَامَ فِي طَاعَتِكُمْ، وَأَخْلاَقِكُمْ، وَبُيُوتِكُمْ، وَمُعَامَلاَتِكُمْ، وَعَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ سِيرَتَهُ الشَّرِيفَةَ، لِيَنشَأُوا عَلَى حُبِّهِ، وَالاتِّبَاعِ لَهُ، لِتَفُوزُوا بِمُصَاحَبَتِهِ فِي الجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الدعاء
