خطبة عن (وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا)
يوليو 4, 2026الخطبة الأولى (أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الترمذي في سننه بسند صححه: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
إخوة الإسلام
فَإِنَّ أَعْظَمَ المَوَاعِظِ أَثَرًا، وَأَعْمَقَ التَّوْجِيهَاتِ بَلَاغَةً، هِيَ تِلْكَ الكَلِمَاتُ النَّبَوِيَّةُ الجَامِعَةُ، الَّتِي صَاغَهَا الرَّسُولُ الأَكْرَمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، لِتَكُونَ دُسْتُورَ حَيَاةٍ، وَمِنْهَاجَ عَقِيدَةٍ، وَحِصْنًا حَصِينًا، تَلُوذُ بِهِ الأُمَّةُ فِي مَوَاقِفِ الحَيْرَةِ وَالِابْتِلَاءِ.
وَإِنَّ المُتَأَمِّلَ فِي سُلُوكِ النَّبِيِّ المُرْسَلِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، يَجِدُ رَحْمَةً غَامِرَةً، وَتَوَاضُعًا جَمًّا، يَأْخُذُ بِأَلْبَابِ النُّفُوسِ؛ حَيْثُ كَانَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، يَخْفِضُ جَنَاحَهُ لِلصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ ،وَلَا يَتَرَفَّعُ عَنْ إِرْدَافِ آلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ خَلْفَهُ عَلَى مَرْكَبِهِ، فَيُعَلِّمُهُمْ فِي مَوَاقِفِ القُرْبِ الأَمِينِ
وَفِي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
فتَأَمَّلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ هَذَا المَشْهَدَ المَهِيبَ؛ رَسُولُ الأُمَّةِ وَقَائِدُهَا، يُرْدِفُ خَلْفَهُ غُلَامًا نَاشِئًا، وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِ بِكُلِّ جَوَارِحِهِ، لِيَضَعَ فِي رُوحِهِ خُلَاصَةَ التَّوْحِيدِ، وَأُسَّ العَقِيدَةِ.
إِنَّهُ الحِرْصُ النَّبَوِيُّ الكَبِيرُ عَلَى تَعْلِيمِ الشَّبَابِ، وَحِمَايَةِ عُقُولِهِمْ مِنَ الِانْحِرَافِ، فَقَدْ نَادَاهُ بِتَلَطُّفٍ وَإِينَاسٍ قَائِلًا: «يَا غُلَامُ»، لِيَسْتَثِيرَ انْتِبَاهَهُ، ثُمَّ شَوَّقَهُ بِقَوْلِهِ: «إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ». وَمَا هِيَ هَذِهِ الكَلِمَاتُ؟، إِنَّهَا لَيْسَتْ سُطُورًا تُحْفَظُ لِلْمُجَارَاةِ، بَلْ هِيَ مَعَالِمُ لِغَرْسِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ فِي قُلُوبِ النَّاشِئَةِ، حَتَّى تَنْشَأَ الأَجْيَالُ قَوِيَّةَ البِنَاءِ، عَمِيقَةَ الِاتِّصَالِ بِالسَّمَاءِ، لَا تَنْحَنِي لِعَاصِفَةٍ، وَلَا تَرْتَجِفُ مِنْ مَخْلُوقٍ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ فَتَحَ لَهُ النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، بَابَ العَمَلِ الصَّارِمِ، فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ». وَالسؤال: كَيْفَ يَحْفَظُ العَبْدُ رَبَّهُ؟، والجواب: فإِنَّ حِفْظَ العَبْدِ لِلَّهِ يَكُونُ بِالوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَرِعَايَةِ حُقُوقِهِ؛ بِأَنْ يَحْفَظَ المَرْءُ رَأْسَهُ وَمَا وَعَى، وَبَطْنَهُ وَمَا حَوَى، وَلَا يَرَاهُ اللهُ حَيْثُ نَهَاهُ، وَلَا يَفْقِدُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ.
فَإِذَا اسْتَقَامَ السُّلُوكُ البَشَرِيُّ، عَلَى هَذَا المِعْيَارِ النَّقِيِّ، تَنَزَّلَ الحِفْظُ الإِلَهِيُّ كَافِلًا لِلْعَبْدِ؛ فَيَحْفَظُهُ اللهُ فِي دِينِهِ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَيَحْفَظُهُ فِي بَدَنِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَيَكُونُ لَهُ مُؤَيِّدًا وَمُعِينًا.
وَنَتِيجَةُ هَذَا الحِفْظِ المُتَبَادَلِ، تَظْهَرُ فَوْرًا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ: «احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ»، أَيْ تَجِدِ اللهَ مَعَكَ، فِي كُلِّ شِدَّةٍ، يُقَرِّبُ لَكَ البَعِيدَ، وَيُيَسِّرُ لَكَ العَسِيرَ، وَيَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ عَادَاكَ، وَيَقْذِفُ فِي قَلْبِكَ السَّكِينَةَ النَّادِرَةَ، الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا بَشَرٌ.
وَيَنْتَقِلُ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى تَفْكِيكِ عِلَاقَةِ العَبْدِ بِالمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِعَانَةِ، فَيَقُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ».
فإِنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ يَقْطَعُ حِبَالَ التَّعَلُّقِ بِالْمَخْلُوقِينَ، الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؛ فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ، لَا يَسْأَلُ أَحَدًا إِلَّا اللهَ، لِأَنَّ الخَزَائِنَ بِيَدِهِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الأَمْرُ كُلُّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ شَكْوَى الضَّعِيفِ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ المُضْطَرِّ.
كَمَا أَنَّ العَبْدَ لَا يَسْتَعِينُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ، وَمُوَاجَهَةِ أَعْبَاءِ الحَيَاةِ، إِلَّا بِاللهِ المَلِكِ الحَقِّ، فَيَبْذُلُ الأَسْبَابَ بِبَدَنِهِ، وَيَبْقَى قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِسُلْطَانِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، مِمَّا يَحْمِي النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ مِنْ ذُلِّ الِانْكِسَارِ لِغَيْرِ خَالِقِهَا، وَيَمْنَحُهَا عِزَّةً شَامِخَةً، تَسْتَمِدُّهَا مِنْ قُوَّةِ العَزِيزِ الجَبَّارِ، الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ أَعْظَمَ مَا يَطْرُدُ الخَوْفَ مِنَ النُّفُوسِ، وَيَسْكُبُ الرَّادِعَ الإِيمَانِيَّ فِي الأَعْمَاقِ، هُوَ اليَقِينُ الجَازِمُ بِأَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا تَجْرِي بِمَقَادِيرِ اللهِ السَّابِقَةِ، الَّتِي سُطِرَتْ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قَبْلَ بَدْءِ الخَلِيقَةِ؛ فَلَا يَقَعُ فِي الكَوْنِ حَرَكَةٌ وَلَا سُكُونٌ، وَلَا نَفْعٌ وَلَا ضَرٌّ، إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَاليَقِينُ بأَّن نَفْعَ البَشَرِ وَضُرَّهُمْ، مَحْكُومٌ بِهَذَا القَدَرِ الإِلَهِيِّ الصَّارِمِ؛ فَلَوْ تَظَاهَرَ أَهْلُ الأَرْضِ جَمِيعًا، عَلَى أَنْ يَسُوقُوا إِلَيْكَ نَفْعًا، لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ لَكَ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا،
وَلَوْ تَكَالَبُوا عَلَى أَنْ يُصِيبُوكَ بِسُوءٍ، لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ عَلَيْكَ، مَا مَسَّتْكَ مِنْهُ شَعْرَةٌ، فَقَدْ جَفَّتِ المَقَادِيرُ، وَاسْتَقَرَّتِ الأَحْكَامُ.
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
فإِنَّ هَذَا السَّبْقَ الزَّمَنِيَّ المُطْلَقَ لِلْمَقَادِيرِ يُثَبِّتُ قَلْبَ العَبْدِ فَلَا يَهْتَزُّ لِتَهْدِيدِ مُهَدِّدٍ، وَلَا يَتَمَلَّقُ طَمَعًا فِي نَوَالِ مَخْلُوقٍ؛ لِأَنَّ الكُلَّ عَبِيدٌ مَقْهُورُونَ تَحْتَ مَشِيئَةِ الخَالِقِ الحَكِيمِ.
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَاةَ هَذِهِ الكِتَابَةِ المَقْدُورَةِ وَكَيْفِيَّتَهَا الأُولَى لِتَتَضِحَ عِظَمُ المَسْأَلَةِ فِي صُدُورِنَا، فَفِي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَسُبْحَانَ مَنْ أَجْرَى المَقَادِيرَ بِعِلْمِهِ، وَخَطَّ المَسَائِلَ بِقَلَمِهِ، فَلَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ. ففي الصحيحين: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَقَالَ «نَعَمْ». قَالَ قِيلَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم: (عَنْ عَلِىٍّ قَالَ كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ». قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَقَالَ «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ». فَقَالَ « اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ». ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) الليل (5): (10)
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَعِيشَ المُسْلِمُ بِهَذِهِ النَّفْسِ الرَّاضِيَةِ، المُطْمَئِنَّةِ لِوَعْدِ اللهِ، المُسْتَسْلِمَةِ لِحُكْمِهِ، الحَافِظَةِ لِحُدُودِهِ!
فَامْلَؤُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ قُلُوبَكُمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَأَلْسِنَتَكُمْ بِالدُّعَاءِ، وَأَحْوَالَكُمْ بِالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ وَحْدَهُ، لِتَفُوزُوا بِحِفْظِهِ فِي الدُّنْيَا وَجَنَّتِهِ فِي الآخِرَةِ.
الدُّعَاءُ
