خطبة عن (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ)
أبريل 21, 2026الخطبة الأولى (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللهِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]. وقال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (17)، (18) النساء، وروى مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
إخوة الإسلام
في هذه الآيات الكريمات من كتاب الله العزيز، والأحاديث النبوية المطهرة: دعوةٌ إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى، والكف عن الذنوب، صغيرِها وكبيرِها، ظاهرِها وباطنِها، فهي دعوة إلى الفلاح الحقيقي في الدنيا والآخرة، فالفلاح لا يكون بكثرة الأموال، ولا بكثرة الجاه ،ولكن يكون بالقرب من الله تعالى، والإنابة إليه، فما من عبد إلا ويقع في الذنب، ولكن الخير كل الخير في أن يتوب، ويرجع إلى ربه، ففي سنن ابن ماجه وصححه الألباني:(عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
والتوبة هي العودة إلى الله تعالى بترك الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، وهي واجبة على جميع المسلمين، من جميع الذنوب، كبيرة كانت أو صغيرة، والتوبة ليست كلمةً تُقال باللسان، أو دمعةً تسيل من العين فقط، وإنما هي ندمٌ يملأ القلب، وإقلاعٌ عن الذنب في الحال، وعزمٌ أكيد على عدم العَود إليه، وقد قرر العلماء: أن للتوبة شروطًا أربعة: وهي: (الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كانت متعلقة بحقوق العباد).
والتوبة لا تصح إلَّا إذا صاحبها عزم صحيح صادق على عدم الرجوع إلى الذنب في المستقبل، فإذا حصلت هذه التوبة الصالحة الصادقة، فإن وقوع الذنب مرة أخرى لا يُؤثِّرُ فيها، بل يجب عليه أن يتوب توبة أخرى، وقد أخبرنا الله تعالى في الحديث القدسي عن حال الإنسان المسلم، ففي حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه: (عن النبي ﷺ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ -عز وجل- قَالَ: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تبارك وتعالى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ»، قال العلماء في شرح هذا الحديث: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ»، معناه: أنك ما دمتَ تُذنب ثم تتوب غفرتُ لك، فالله تعالى «يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»
وقد فتح الله تعالى أبواب رحمته للتائبين، مهما عظم الذنب، وكبر الجُرم، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:53]. وفي الصحيحين واللفظ للبخاري: (قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلاً، وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً ،فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي. فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ»،
فباب التوبة مفتوح على مصراعيه، والأعمار محدودة، والأجل إذا جاء لا يُستأخر ساعةً ولا يُستقدَم، فسارعوا بالتوبة، فكم من أناسٍ سوَّفوا بالتوبة، حتى عاجلهم الموت، فندموا حيث لا ينفع الندم،
فبادروا إلى التوبة قبل الفوات، واغتنموا أيام الصحة والشباب، فالعمر ظل زائل، والفرص لا تدوم، وفي سنن ابن ماجه، وصححه الألباني: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ». وفي صحيح مسلم: (أن ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ». هكذا كان حال سيد الخلق ﷺ، مع أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك كان يكثر من التوبة والاستغفار، فكيف بنا نحن المذنبين المفرطين؟
ولو تأملنا في سير الصحابة رضوان الله عليهم لوجدناهم أحرص الناس على سرعة التوبة والرجوع إلى الله تعالى، فهذا كعب بن مالك (رضي الله عنه) حين تخلَّف عن غزوة تبوك، صدق مع الله، ومع رسوله ﷺ، فأنزل الله فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:118].
واعلموا أن التوبة الصادقة تبدل السيئات حسنات، كما وعد الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان:70].
فلنكثر من الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، ولنُقبِل على الله بقلوبنا قبل جوارحنا، ولنجعل لنا أعمالَ خلوةٍ بيننا وبين الله، لا يطّلع عليها أحد سواه، فهي التي تُثَبِّت الإيمان، وتُطهِّر القلب، وتزيد القرب من الله، والموت آتٍ لا محالة، والحساب حق، والجنة والنار حق، فلنجعل من توبتنا زادًا لنا في ذلك اليوم العصيب، ولنغتنم حياتنا قبل موتنا، وفراغنا قبل شغلنا، وصحتنا قبل سقمنا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالرُّجُوعُ إِلَى اللهِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
والتوبةُ بابُ النجاةِ من سَخَطِ الله وعقابه، وهي سبيلُ الفلاحِ في الدنيا والآخرة، والله تعالى لا يملُّ من قبولِ التوبةِ حتى تَغرغِرَ الروحُ، أو تطلعَ الشمسُ من مغربها، قال النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (رواه الترمذي). وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».
وانظروا إلى سعة رحمة الله تعالى، فهو يقبل توبة العاصي ولو بلغت ذنوبه عنان السماء، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:53]. وفي سنن الترمذي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
والتوبة لا تنحصر في الكبائر فقط، بل ينبغي أن نتوب من الصغائر أيضًا، وأن نجدد توبتنا دائمًا، فالقلب يصدأ بالذنوب كما يصدأ الحديد، ولا يلمع إلا بالاستغفار، والتوبة والرجوع إلى الله، وفي صحيح مسلم: (قَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». وفي رواية للترمذي: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) » المطففين:14.
فلنغتنم أوقات الطاعات، ولنكثر من الاستغفار، ولنعد إلى الله في ليلنا ونهارنا، فاللهم تب علينا توبة نصوحًا، واغسل قلوبنا من الذنوب، وارزقنا حسن الإنابة إليك، واجعلنا من التوابين المتطهرين.
الدعاء
