خطبة عن (الْمَوْتُ)
سبتمبر 16, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الخَوْفُ وَالرَّجَاءُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]. وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ: “كَيْفَ تَجِدُكَ؟ ” قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ” [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ القَلْبَ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ كَالطَّائِرِ؛ فالمَحَبَّةُ رَأْسُهُ، وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ جَنَاحَاهُ، فَمَتَى سَلِمَ الرَّأْسُ وَالجَنَاحَانِ طَارَ الطَّائِرُ، وَمَتَى قُطِعَ الرَّأْسُ مَاتَ الطَّائِرُ، وَمَتَى فُقِدَ الجَنَاحَانِ فَهُوَ عُرْضَةٌ لِكُلِّ صَائِدٍ.
والخَوْفُ وَالرَّجَاءُ: هُمَا مِيزَانُ الاسْتِقَامَةِ؛ فَالخَوْفُ: هو سَوْطُ اللهِ الذِي يَسُوقُ بِهِ العِبَادَ إِلَى الطَّاعَةِ، وَيَزْجُرُهُمْ عَنِ المَعْصِيَةِ، وَالرَّجَاءُ: هو حَادِي القُلُوبِ، الذِي يُهَوِّنُ عَلَيْهَا مَشَقَّةَ العَمَلِ، وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ الأَمَلِ، فلَا غِنَى لِمُؤْمِنٍ عَنْهُمَا؛ فَإِنَّ الخَوْفَ بِلَا رَجَاءٍ قُنُوطٌ، وَالرَّجَاءَ بِلَا خَوْفٍ أَمْنٌ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَكِلَاهُمَا هَلَاكٌ.
وتَأَمَّلُوا فِي مَقَامِ “الخَوْفِ”؛ فَهُوَ لَيْسَ فَزَعاً طَائِشاً، بَلْ هُوَ هَيْبَةٌ وَإِجْلَالٌ لِلْعَظِيمِ سُبْحَانَهُ. الخَوْفُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الذِي يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَحَارِمِ اللهِ؛ فَإِذَا عُرِضَ لَكَ الحَرَامُ، ذَكَرْتَ مَقَامَ للهِ وَوَعِيدَهُ فَنَزَعْتَ، قَالَ تَعَالَى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46].
وخَوْفُ العَارِفِينَ يَجْعَلُهُمْ يَهْرُبُونَ مِنَ اللهِ إِلَى اللهِ؛ فَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ، فإِنَّ الذِي يَخَافُ اللهَ لَا يَخَافُ بَشَراً، وَلَا يَهَابُ مَخْلُوقاً؛ لِأَنَّ خَوْفَ الخَالِقِ طَرَدَ كُلَّ خَوْفٍ سِوَاهُ مِنَ القَلْبِ، فَهَلِ اسْتَشْعَرْنَا خَشْيَةَ اللهِ فِي خَلَوَاتِنَا؟، وَهَلْ بَكَتْ أَعْيُنُنَا فَرَقاً مِنْ يَوْمِ العَرْضِ على الله تعالى؟.
وَعَلَى الجَانِبِ الآخَرِ، يَأْتِي مَقَامُ “الرَّجَاءِ” لِيَمْسَحَ عَنِ النَّفْسِ غُبَارَ اليَأْسِ، فالرَّجَاءُ هُوَ الثِّقَةُ بِجُودِ اللهِ، وَانْتِظَارُ فَضْلِهِ، مَعَ بَذْلِ الأَسْبَابِ، ولَيْسَ الرَّجَاءُ تَمَنِّياً مَعَ التَّفْرِيطِ، بَلْ هُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ يُتَوَّجُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ} [البقرة:218].
والرَّجَاءُ هُوَ الذِي يَجْعَلُ العَبْدَ يَقُومُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَدْعُو، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ يَرْجُو؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبّاً شَكُوراً لَا يُضِيعُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، فهَذَا الرَّجَاءُ يَبْعَثُ فِي القَلْبِ طُمَأْنِينَةً، تَنْزِعُ اليَأْسَ حَتَّى فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ.
وإِنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ هُوَ حَالُ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فقد كَانُوا يَعْبُدُونَ اللهَ “رَغَباً وَرَهَباً”؛ قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) الأنبياء (90)، (رَغَباً) فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الجِنَانِ، (وَرَهَباً) مِمَّا عِنْدَهُ مِنَ النِّيرَانِ.
والخَوْفُ يَمْنَعُكَ مِنَ العُجْبِ بِعَمَلِكَ، وَالرَّجَاءُ يَمْنَعُكَ مِنَ القُنُوطِ عِنْدَ زَلَّتِكَ، فَإِذَا طَغَتْ نَفْسُكَ، فَذَكِّرْهَا بِعِقَابِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِذَا انْكَسَرَتْ نَفْسُكَ، فَذَكِّرْهَا بِرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وهَكَذَا يَعِيشُ المُؤْمِنُ مُتَوَازِناً، لَا يُسْرِفُ فِي الخَوْفِ فَيَيْأَسَ، وَلَا يُسْرِفُ فِي الرَّجَاءِ فَيَتَوَاكَلَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]. وَفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ”
فالوَاجِب عَلَى العَبْدِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ الخَوْفَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، لِيَكُونَ زَاجِراً لَهُ عَنِ المَعَاصِي، وَأَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ فِي حَالِ المَرَضِ، وَاقْتِرَابِ الأَجَلِ، لِيَلْقَى اللهَ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، فهَذَا التَّوَازُنُ القَلْبِيُّ يُثْمِرُ سُلُوكاً مُنْضَبِطاً؛ فَلَا اغْتِرَارَ بِالطَّاعَةِ، وَلَا يَأْسَ مِنَ التَّوْبَةِ، فالمُؤْمِنُ يَعِيشُ بَيْنَ مَخَافَةِ ذَنْبٍ مَضَى، لَا يَدْرِي مَا اللهُ صَانِعٌ فِيهِ، وَبَيْنَ رَجَاءِ قَبُولِ عَمَلٍ، لَا يَدْرِي هَلْ وُفِّقَ لِلْإِخْلَاصِ فِيهِ أَمْ لَا.
ألا فلِنَجْعَلْ مِنْ خَوْفِنَا وَرَجَائِنَا بَاعِثاً لِلْمُسَارَعَةِ فِي الخَيْرَاتِ، ولَا نَكُنْ مِمَّنْ يَأْمَنُونَ مَكْرَ اللهِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلَا مِمَّنْ يَقْنَطُونَ مِنْ رَوْحِ اللهِ بِذُنُوبِهِمْ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (الخَوْفُ وَالرَّجَاءُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
يقول اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ” [رواه الترمذي، وحسنه الألباني].
فالعِبَادَة القَلْبِيَّةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي النَّفْسِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا عَلَى الجَوَارِحِ وَالسُّلُوكِ، وَآثَارُ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ هِيَ المِحْرِكُ الأَسَاسِيُّ لِكُلِّ فِعْلٍ جَمِيلٍ، وَتَرْكٍ لِقَبِيحٍ.
وأَوَّلُ هَذِهِ الآثَارِ هُوَ “المُسَارَعَةُ فِي الخَيْرَاتِ“: فَالمُؤْمِنُ الذِي يَرْجُو ثَوَابَ اللهِ، لَا يَنْتَظِرُ الغَدَ لِيَعْمَلَ، وَالذِي يَخَافُ عِقَابَهُ لَا يُسَوِّفُ التَّوْبَةَ، فالخَوْفُ يَدْفَعُكَ لِلْهَرَبِ مِنْ نِيرَانِ المَعَاصِي،
وَالرَّجَاءُ يَجْذِبُكَ إِلَى جِنَانِ الطَّاعَاتِ، ومَنْ خَافَ البُعْدَ عَنِ اللهِ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ، وَمَنْ رَجَا القُرْبَ مِنْهُ لَمْ يَفْتُرْ لِسَانُهُ عَنْ ذِكْرِهِ، فالسلوكُ الخَائِفُ الرَّاجِي هُوَ سُلُوكٌ عَمَلِيٌّ، بَعِيدٌ عَنِ التَّمَنِّي الكَاذِبِ، وَالقُعُودِ المَذْمُومِ.
وَمِنْ آثَارِ هَذَا التَّوَازُنِ القَلْبِيِّ: “الانْضِبَاطُ فِي المَالِ وَالحُقُوقِ“: فَالمُسْلِمُ الذِي يَخْشَى مَقَامَ رَبِّهِ يَخَافُ أَنْ يَلْقَاهُ وَفِي رَقَبَتِهِ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ، أَوْ دِرْهَمٌ مِنْ حَرَامٍ، فالخَوْفُ يَجْعَلُكَ تَتَوَرَّعُ عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَالرَّجَاءُ فِيمَا عِنْدَ اللهِ يُهَوِّنُ عَلَيْكَ تَرْكَ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ، وحِينَ تَمْتَلِئُ النَّفْسُ بِرَجَاءِ رِزْقِ اللهِ، لَا تَمُدُّ اليَدَ إِلَى الرِّشْوَةِ، أَوْ الغِشِّ؛ لِأَنَّ الرَّجَاءَ فِي البَاقِي طَرَدَ الطَّمَعَ فِي الفَانِي، فإِنَّ آثارَ الخَوْفِ تَظْهَرُ فِي أَمَانَةِ المِيزَانِ، وَصِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا دِينَارَ فِيهِ وَلَا دِرْهَمَ.
وكَذَلِكَ يُثْمِرُ الخَوْفُ وَالرَّجَاءُ “الاسْتِقَامَةَ فِي الخَلَوَاتِ“: وَهِيَ المِحَكُّ الحَقِيقِيُّ لِلإِيمَانِ، فالخَوْفُ مِنْ نَظَرِ اللهِ يَجْعَلُكَ تَسْتَحِي أَنْ تَعْصِيَهُ وَأَنْتَ وَحْدَكَ، وَالرَّجَاءُ فِي سِتْرِهِ وَمَغْفِرَتِهِ يَدْعُوكَ لِلإِنَابَةِ كُلَّمَا زَلَّتِ القَدَمُ، وإِنَّ الذِي يَخَافُ اللهَ فِي سِرِّهِ يَكُونُ سُلُوكُهُ ظَاهِراً وَبَاطِناً سَوَاءً، فلَا يَتَصَنَّعُ الصَّلَاحَ أَمَامَ النَّاسِ لِيَرْجُوَ مَدْحَهُمْ، بَلْ يَعْمَلُ لِلهِ لِيَرْجُوَ فَضْلَهُ، وهَذِهِ المُرَاقَبَةُ السُّلوكيةُ هِيَ ثَمَرَةُ العَيْشِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ وَالرَّغْبَةِ، فَيَصِيرُ العَبْدُ مُخْلِصاً فِي عَمَلِهِ، مُرَاقِباً لِخَطَرَاتِ قَلْبِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الآثَارِ السُّلوكِيَّةِ: “الثَّبَاتُ عِنْدَ المَصَائِبِ وَالفِتَنِ“: فَإِذَا نَزَلَ البَلَاءُ، مَنَعَ الخَوْفُ مِنَ اللهِ العَبْدَ أَنْ يَتَسَخَّطَ، أَوْ يَنْطِقَ بِمَا يُغْضِبُ المَوْلَى، وَفَتَحَ لَهُ الرَّجَاءُ بَابَ الرِّضَا وَانْتِظَارِ الفَرَجِ، فالرَّجَاءُ يَجْعَلُ المُسْلِمَ مُتَفَائِلاً لَا يَعْرِفُ اليَأْسَ، مَهْمَا ادْلَهَمَّتِ الخُطُوبُ؛ لِأَنَّ رَجَاءَهُ فِي “أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ” أَقْوَى مِنْ خَوْفِهِ مِنَ الفَقْرِ أَوْ المَرَضِ، وهَذَا التَّمَاسُكُ النَّفْسِيُّ وَالسُّلوكيُّ هُوَ الذِي يُمَيِّزُ المُؤْمِنَ عَنْ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ فِي نِعْمَةٍ شَاكِرٌ يَرْجُو الزِّيَادَةَ، وَفِي نِقْمَةٍ صَابِرٌ يَخَافُ السُّخْطَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ” [رواه الترمذي وصححه الألباني]
فإِنَّ أَثَرَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ يَظْهَرُ جَلِيّاً فِي “حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ“: فَالمُسْلِمُ يَخَافُ أَنْ يَظْلِمَ أَحَداً فَيُطَالِبَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَرْجُو بِإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ رَحْمَةَ اللهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: “ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ”، وهَذَا الدَّافِعُ المُزْدَوِجُ يَجْعَلُ تَعَامُلَكَ مَعَ النَّاسِ رَاقِيًا ؛فَلَا كِبْرَ وَلَا بَغْيَ، وكُلَّمَا ازْدَادَ خَوْفُكَ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ، ازْدَادَ تَوَاضُعُكَ لِعِبَادِهِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ رَجَاؤُكَ فِي كَرَمِ اللهِ، ازْدَادَ جُودُكَ وَسَمَاحَتُكَ مَعَ الخَلْقِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فلِنَجْعَلْ مِنْ هَذَيْنِ المَقَامَيْنِ (الخَوْفُ وَالرَّجَاءُ) نِبْرَاساً لَنَا فِي كُلِّ شُؤُونِنَا، فلَا نَكُنْ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ القُنُوطُ، فَتَعَطَّلَتْ جَوَارِحُهُمْ عَنِ العَمَلِ، وَلَا مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الغُرُورُ، فَتَجَرَّءُوا عَلَى المَعَاصِي، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يُطَهِّرَ سُلُوكَنَا بِمَخَافَتِهِ، وَأَنْ يُنِيرَ دُرُوبَنَا بِرَجَائِهِ، فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ خَافَكَ فَاتَّقَاكَ، وَرَجَاكَ فَأَعْطَيْتَهُ مُنَاهُ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَعْمَالِ وَالأَخْلَاقِ، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا بِمَحْضِ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ.
( الدعاء )
