خطبة عن (مَنْ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ؟؟)
سبتمبر 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «جَزَاءُ الأَبْرَارِ عِنْدَ الاحْتِضَارِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (30): (32) فصلت.
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ عِمَادَ هَذَا الدِّينِ وَقِوَامَهُ المَتِينَ، يُبْنَى عَلَى حَقِيقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، لاَ يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ: إِيمَانٌ صَادِقٌ يَمْلأُ القَلْبَ يَقِيناً، وَاسْتِقَامَةٌ صَالِحَةٌ تُصَدِّقُهَا الجَوَارِحُ وَالأَعْمَالُ،
وأنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنَّهُ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ؛ فَالقَوْلُ بِاللِّسَانِ:
«رَبُّنَا اللَّهُ» هُوَ إِقْرَارٌ بِالتَّوْحِيدِ، وَعَقْدٌ مَعَ اللَّهِ عَلَى العُبُودِيَّةِ، ولَكِنَّ هَذَا الإِقْرَارَ يَبْقَى شَجَرَةً بِلاَ ثَمَرٍ، مَا لَمْ يُسْقَ بِمَاءِ الِاسْتِقَامَةِ المُنْتَظِمَةِ،
وَالِاسْتِقَامَةُ كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ حِينَ سُئِلَ عَنْهَا: «أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلَمْ تَرُوغُوا رَوَاغَ الثَّعَالِبِ». وَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى المِنْبَرِ: «اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَمْ يَرُوغُوا رَوَاغَ الثَّعَالِبِ».
فَالِاسْتِقَامَةُ هِيَ السَّلُوكُ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالثَّبَاتُ عَلَى الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَمُدَاوَمَةُ الطَّاعَةِ عِنْدَ الإِقْبَالِ وَالإِدْبَارِ، وَعِنْدَ الشَّهْوَةِ وَالشُّبْهَةِ، فَيَسِيرُ العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ ثَابِتَ القَدَمِ، لاَ يَلْتَفِتُ، وَلاَ يُمَانِعُ أَوَامِرَ اللَّهِ بِالأَهْوَاءِ، وَلاَ يُبَادِلُ ثَوَابِتَ الدِّينِ بِالتَّرَخُّصَاتِ.
وتَأَمَّلُوا في هَذَا المَنَهَج النَّبَوِي العَظِيم، حِينَ جَاءَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً بَعْدَكَ، قَالَ:
قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» (رواه مسلم). لَقَدْ جَمَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الدِّينَ كُلَّهُ فِي كَلِمَتَيْنِ: تَجْدِيدُ العَقِيدَةِ وَالإِيمَانِ، ثُمَّ اللُّزُومُ وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى المَنَهَجِ حَتَّى المَمَاتِ.
ولَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ الكِرَامَ -رضي الله عنهم- بِالاسْتِقَامَةِ، وَهُوَ صَفْوَةُ الخَلْقِ، وَهُمْ أَفْضَلُ الأُمَّةِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَولِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ) [هود:112-113]. وقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- في جَمِيعِ القُرْآنِ آيَةٌ كَانَتْ أَشَدَّ وَلاَ أَشَقَّ عَلَيهِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ.
وعَنِ الحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَمَّرَ رسُولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- للعِبَادَةِ، فَمَا رُئيَ ضَاحِكًا، وقَالَ لأَصحَابِهِ حِينَ أَسْرَعَ إِلَيهِ الشَّيبُ: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأَخَوَاتُهَا”، يَعْنِي قولَهُ تَعَالَى:
(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)” [هود:112].
والمُسْلِمَ المُسْتَقِيمَ عَلَى أَمْرِ اللهِ تَعَالَى يَتَمَسَّكُ بكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَعَضُّ عَلَيهِمَا بالنَّوَاجِذِ في زَمَنِ الشَّهَوَاتِ والشُّبُهَاتِ، فَيَصْلُحُ حِينَ يَفْسدُ النَّاسُ، ويُصْلِحُ مَا أَفْسَدَ الناسُ، ويَقْبِضُ عَلَى الجَمْرِ حِينَ يَتَذَرَّعُ النَّاسُ بالشَّهَوَاتِ، والمُغْرِيَاتِ؛ حِينَهَا تَعْظُمُ الاسْتِقَامَةُ أَجْرًا، وتَسْمُو قَدْرًا. وَقَدْ صَحَّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ”، وَرَوَى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ ثَوبَانَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”، وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ صلى الله عليه وسلم: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَو بِذُلِّ ذَلِيلٍ؛ عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاَّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ” رواه أحمدُ.
وإِنَّ الاسْتِقَامَةَ عَلَى دِينِ اللهِ تَعَالَى ثَبَاتٌ ورُجُولَةٌ، وانْتِصَارٌ وفَوزٌ في مَعْرَكَةِ الطَّاعَاتِ وَالأَهْوَاءِ، وَالرَّغَبَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ الذِينَ اسْتَقَامُوا أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيهِم المَلاَئِكَةُ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ لِتَطْرُدَ عَنْهُمُ الخَوفَ والحَزَنَ، وَتُبَشِّرَهُم بالجَنَّةِ، وَيُعْلِنُوا وَقُوفَهُم إِلَى جَانِبِهِم في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فأَيْنَ المُنْتَفِعُونَ بِسَاعَاتِ العُمْرِ؟، وأَيْنَ المُنَادُونَ فِي المَحَارِيبِ بِالدُّعَاءِ؟، وأَيْنَ أَهْلُ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالمُصَابَرَةِ؟، فهذه بَشَارَةٌ زَكِيَّةٌ، وَنَفَحَاتٌ عَلِيَّةٌ سَاطِعَةٌ، يَبُثُّهَا القُرْآنُ لِكُلِّ مَنْ أَصَبَحَ وَأَمْسَى يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ. فإِنَّ هَؤُلاَءِ الأَبْرَارَ الَّذِينَ لَزِمُوا طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ ،فَلَمْ تُغْرِهِمْ الدُّنْيَا بِزُخْرُفِهَا، وَلَمْ تَثْنِهِمْ الشَّهَوَاتُ عَنْ مَرَاضِي رَبِّهِمْ، لَهُمْ مَوْعِدٌ مَعَ كَرَمِ اللَّهِ العَظِيمِ، فِي أَدْقَقِ اللَّحَظَاتِ، وَأَشَدِّ المَوَاقِفِ، فهؤلاء حِينَ يَنْقَطِعُ الرَّجَاءُ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وَيَدْنُو المَوْتُ، وَتَقْتَرِبُ سَكَرَاتُهُ، هُنَالِكَ، عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ، وَمُفَارَقَةِ الدُّنْيَا، لاَ يَتَرَّكُهُمُ اللَّهُ حَيَارَى، بَلْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ، تَنَزُّلاً مُتَتَابِعاً حَافِلاً بِالأَمْنِ وَالبُشْرَى،
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِهِ: «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ أَيْ: عِنْدَ المَوْتِ قَائِلِينَ: أَنْ لاَ تَخَافُوا مِمَّا تَقْدَمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا خَلَّفْتُمُوهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ وَلَدٍ وَأَهْلٍ وَمَالٍ أَوْ دَيْنٍ، فَإِنَّا نَخْلُفُكُمْ فِيهِ، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ؛ فَيُبَشِّرُونَهُمْ بِذَهَابِ الشَّرِّ وَحُصُولِ الخَيْرِ».
فيَا لَهَا مِنْ لَحَظَاتٍ خَالِدَةٍ، يَهْتَزُّ لَهَا الوِجْدَانُ، فيَا مَنْ تَخَافُونَ سَكْرَات المَوْتِ، وَظُلْمَةَ القَبْرِ، ويَا مَنْ توجِلُّ قُلُوبُكُمْ مِنْ فِرَاقِ الأحِبَّةِ وَالوِلْدَانِ، أَلاَ فَاشْنُفُوا آذَانَكُمْ بِهَذِهِ البُشْرَى الإِلَهِيَّةِ، فإِنَّ أَهْلَ الِاسْتِقَامَةِ، يَلْقَوْنَ المَوْتَ حِينَ يَلْقَوْنَهُ وَقُلُوبُهُمْ رَاضِيَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ، المَلاَئِكَةُ تَكْتَنِفُهُمْ، وَبِالرَّحْمَةِ تُنَادِيهِمْ، وَبِالْجَنَّةِ تُبَشِّرُهُمْ؛ فَلاَ خَوْفٌ يَسْكُنُ أَرْوَاحَهُمْ مِمَّا اسْتَقْبَلُوهُ مِنْ أَهْوَالِ المَطْلَعِ، وَلاَ حُزْنٌ يَعْصِرُ أَفْئِدَتَهُمْ عَلَى مَا تَرَكُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
فَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الأِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي وَصْفِ مَوْتِ المُؤْمِنِ: «إِنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلاَئِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، أُخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ».
فأَيُّ سَكِينَةٍ هَذِهِ؟ وَأَيُّ نَعِيمٍ يَتَنَزَّلُ عَلَى القَلْبِ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ المَخُوفَةِ؟، إِنَّهُ ثَمَرَةُ الِاسْتِقَامَةِ ،وَجَزَاءُ ثَبَاتِ الإِيمَانِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «جَزَاءُ الأَبْرَارِ عِنْدَ الاحْتِضَارِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ (ق: 31-32). وَتَأَمَّلُوا فِي سَائِرِ أَبْعَادِ هَذِهِ الآيَاتِ العَظِيمَةِ مِنْ سُورَةِ فُصِّلَتْ؛ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ الإِلَهِيَّةَ لاَ تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ التَّبْشِيرِ عِنْدَ المَوْتِ فَحَسْبُ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتَكُونَ وِلاَيَةً كَامِلَةً شَامِلَةً يَعِيشُهَا العَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، يَقُولُ الحَقُّ جَلَّ جَلاَلُهُ مُخْبِراً عَنْ قَوْلِ المَلاَئِكَةِ لِلْمُسْتَقِيمِينَ: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (فصلت:31).
قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِهِ: «تَقُولُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ: نَحْنُ كُنَّا أَوْلِيَاءَكُمْ فِي الدُّنْيَا، نَحْرُسُكُمْ، وَنَحْفَظُكُمْ، وَنُوَفِّقُكُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَنَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الآخِرَةِ، لاَ نُفَارِقُكُمْ حَتَّى نُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ، وَنُؤْمِنَكُمْ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ».
فَيَا لَهَا مِنْ صَحَابَةٍ جَلِيلَةٍ، وَيَا لَهُ مِنْ أَمْنٍ مُطْلَقٍ، فالعَبْدُ المُسْتَقِيمُ لَيْسَ شَرِيداً فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَلاَ ضَائِعاً فِي مَهَالِكِهَا، بَلْ هُوَ فِي حِرَاسَةٍ مَلاَئِكِيَّةٍ، وَرِعَايَةٍ إِلَهِيَّةٍ، تُحِيطُهُ المَلاَئِكَةُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّثْبِيتِ، وَتُحَوِّطُهُ بِالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7).
ثُمَّ تَسْتَمِرُّ البُشْرَى لِتَفْتَحَ أَبْوَابَ العَطَاءِ الَّذِي لاَ يَنْقَطِعُ فِي دَارِ الكَرَامَةِ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (فصلت:31-32).
تَأَمَّلُوا كَلِمَةَ ﴿نُزُلاً﴾ فَالنُّزُلُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ مَا يُعَدُّ لِلضَّيْفِ الكَرِيمِ أَوَّلَ قُدُومِهِ إِكْرَاماً وَإِجْلاَلاً! فَالْجَنَّةُ بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ، وَلَذَّاتٍ لَمْ تَرَ أَيْنٌ مِثْلَهَا، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ أَعَدَّهُ اللَّهُ ضِيَافَةً لإِكْرَامِ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ! يُعْطَى فِيهَا العَبْدُ كُلَّ مَا يَشْتَهِيهِ صَدْرُهُ، وَكُلَّ مَا يَطْلُبُهُ وَيَتَمَنَّاهُ، فَمَا خَطَرَ بِبَالِهِ أَوْ طَلَبَهُ بِلِسَانِهِ فَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَاضِرٌ لاَ يَغِيبُ، وَقَرِيبٌ لاَ يَبْعُدُ.
فَأَيْنَ هُمُ الرَّاغِبُونَ فِي جِوَارِ المَلِكِ المَجِيدِ؟، أَيْنَ الخَائِفُونَ مِنْ مَصَائِرِ العَاقِبَةِ؟، كَيْفَ يَغْفُلُ غَافِلٌ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ المُقِيمِ، وَيَبِيعُهُ بِشَهْوَةٍ زَائِلَةٍ، أَوْ لَذَّةٍ مُحَرَّمَةٍ، فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ؟، وكَيْفَ يَسْتَبْدِلُ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ؟.
إِنَّ هَذَا العَطَاءَ لَيْسَ بِاسْتِحْقَاقِ أَعْمَالِنَا، وَلاَ بِعِظَمِ جُهُودِنَا، وَإِنَّمَا هُوَ ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾؛ فَبِمَغْفِرَتِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ سَتَرَ الزَّلاَّتِ، وَمَحَا الخَطَايَا، وَبِرَحْمَتِهِ الوَاسِعَةِ أَدْخَلَنَا الجَنَّةَ، وَأَجْزَلَ لَنَا المَثُوبَةَ والعطاء.
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ جَدِّدُوا الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ، وَالْزَمُوا جَادَّةَ الِاسْتِقَامَةِ فِي جَوَارِحِكُمْ، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَعْمَالَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنَ عَلَيْكُمْ.
اللَّهُمَّ يَا غَفُورُ يَا رَحِيمُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، نَسْأَلُكَ إِيمَاناً دَائِماً، وَقَلْباً خَاشِعاً، وَلِسَاناً ذَاكِراً، وَعَمَلاً صَالِحاً مُتَقَبَّلاً. اللَّهُمَّ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ حَتَّى نَلْقَاكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أُوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ. اللَّهُمَّ أَمِّنَّا عِنْدَ المَوْتِ، وَتَوَلَّنَا بِالبُشْرَى وَالسَّكِينَةِ حِينَ تَتَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
الدعاء
