خطبة عن حديث (اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ)
سبتمبر 13, 2026خطبة عن (مَنْ هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ؟؟)
سبتمبر 14, 2026الخطبة الأولى (الحَلَالُ وَالحَرَامُ وَفِقْهُ الوَرَعِ وَصَلَاحُ القُلُوبِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (أن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ».
إخوة الإسلام
نَقِفَ اليَوْمَ أَمَامَ جَوَّهَرَةٍ مِنْ جَوَاهِرِ النُّبُوَّةِ، وَأَصْلٍ يَدُورُ عَلَيْهِ مَدَارُ الإِسْلَامِ كُلِّهِ؛ حَدِيثٍ يُشَكِّلُ المِيزَانَ الدَّقِيقَ لِلْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَالقَاعِدَةَ الصَّلْبَةَ لِلْوَرَعِ، وَالشَّرْيَانَ الغَذَائِيَّ لِصَلَاحِ القُلُوبِ.
نَعِيشُ اليَوْمَ مَعَ قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ».
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ القِسْمَةَ النَّبَوِيَّةَ الحَكِيمَةَ لِشُؤُونِ الحَيَاةِ، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الأَحْكَامَ الَّتِي يَتَعَامَلُ مَعَهَا العَبْدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أُصُولِيَّةٍ:
الأول: الحَلَالُ البَيِّنُ: وَهُوَ الحَلَالُ المَحْضُ، الَّذِي لاَ شُبْهَةَ فِيهِ وَلاَ خَفَاءَ؛ كَأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ المُبَاحَةِ، وَالبَيْعِ الشَّرْعِيِّ الصَحِيحِ، وَالنِّكَاحِ الحَلَالِ، وَالصِّدْقِ فِي القَوْلِ، فَهَذَا كله لاَ حَرَجَ عَلَى المُسْلِمِ فِي إِتْيَانِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ.
الثاني: الحَرَامُ البَيِّنُ: وَهُوَ الحَرَامُ الظَّاهِرُ، الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ بِشَرِيعَتِهِ تَحْرِيمًا قَاطِعًا؛ كَالرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الخَمْرِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَالكَذِبِ وَالغِشِّ فَهَذَا كله يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ اجْتِنَابُهُ وَالبُعْدُ عَنْهُ قَطْعًا.
الثالث: المُتَشَابِهَاتُ (المُشَبَّهَاتُ): وَهِيَ تِلْكَ الأُمُورُ الَّتِي الْتَبَسَ فِيهَا الحَلَالُ بِالحَرَامِ، وَخَفِيَ حُكْمُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ العَامَّةِ؛ إِمَّا لِتَعَارُضِ الأَدِلَّةِ، أَوْ لِخَفَاءِ العِلَّةِ، أَوْ لِشَكٍّ فِي طَرِيقَةِ الكَسْبِ وَالمَعَامَلَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ»، فَفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ النَّبَوِيَّةِ تَنْبِيهٌ بَالِغُ الخَطَرِ، فَمَعْنَاهَا أَنَّ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ لاَ تَبْقَى مَجْهُولَةً لِلْكُلِّ، بَلْ يَعْلَمُ حُكْمَهَا الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ، الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ الأَحْكَامَ بِنُورِ الشَّرْعِ.
وَمِنْ هُنَا وَجَبَ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَلَقَّى العِلْمَ الشَّرْعِيَّ، وَأَنْ نَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، حَتَّى لاَ نَقَعَ فِي الحَرَامِ وَنَحْنُ لاَ نَشْعُرُ، فَإِنَّ الجَهْلَ لَيْسَ عُذْرًا لِمَنْ أَهْمَلَ التَّعَلُّمَ.
يقول الله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (116) النحل،
وفي صحيح مسلم: (أن أَبا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلاَفُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
هذا ولا يجوز لأحد أن يتكلم في الحلال والحرام، إلا العلماء العالمين بالكتاب والسنة، ولا يجوز أيضا التحايل في فعل الحرام،
ففي الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ،لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» رواه أحمد،
ومن أشهر صور التحايل على فعل المحرم، ما حكي عنه القرآن الكريم، حين حرّم الله على اليهود الصيد يوم السبت، فاحتالوا على ذلك باتخاذ الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة، فتبقى فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد،
قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ) (الأعراف:163).
ومن الحيل المعاصرة ما يعمد إليه الناس لأكل الربا، تحت أسماء مستحدثة، أو شرب الخمر بأسماء غير اسمها، وهذا لا ينفي عن الرِّبا حرمته، ولا عن الخمر تحريمها، ففي مسند أحمد: (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)،
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ
ثُمَّ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَضِيلَةَ مَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَيَقُولُ: «فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ»؛ أَيْ نَزَّهَ دِينَهُ وَطَهَّرَهُ مِنَ النَّقْصِ وَالإِثْمِ أَمَامَ اللهِ، وَحَمَى عِرْضَهُ وَسُمْعَتَهُ أَمَامَ النَّاسِ فَلَا يُظَنُّ بِهِ السُّوءُ وَلاَ يُغْتَابُ.
وَبِالمُقَابِلِ، يُحَذِّرُ مِنْ خَطَرِ مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ؛ فَمَنْ تَسَاهَلَ فِي الشُّبُهَاتِ اعْتَادَتْ نَفْسُهُ
الجُرْأَةَ، فَجَرَّتْهُ الشُّبْهَةُ إِلَى المَكْرُوهِ، وَجَرَّهُ المَكْرُوهُ إِلَى الحَرَامِ الصَّرِيحِ، فَيَهْلِكُ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الحَلَالُ وَالحَرَامُ وَفِقْهُ الوَرَعِ وَصَلَاحُ القُلُوبِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومن المبادئ التي قررها الإسلام: أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع الحل والإباحة، فلا حرام إلا ما ورد نص صريح بتحريمه في القرآن أو السنة، وقد استدل العلماء، على ذلك بآيات القرآن الواضحة، كقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة:29)
فما كان الله ليخلق هذه المخلوقات، ويسخِّرها للإنسان، ثم يَحْرِمه منها، دون علة أو سبب يقدّره الله ويعلمه.
وقد حَرّم الله أشياء مما خلق، أو أباحها، بشروط خاصة، لسبب وحكمة؛ قد نعرفها أو نجهلها، ولكن جهل سبب التحريم لا يعني عدم القبول بما حرّم الله تعالى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذِهِ البَلَاغَةَ النَّبَوِيَّةَ المُعْجِزَةَ حِينَ يَضْرِبُ لَنَا الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المَثَلَ لِيُقَرِّبَ الحَقِيقَةَ إِلَى الأَذْهَانِ، فيَقُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
«كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ».
ففِي القَدِيمِ، كَانَ المَلِكُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ “حِمًى”؛ أي أَرْضًا مَحْظُورَةً مُحَاطَةً لاَ يَقْرَبُهَا أَحَدٌ. فَالرَّاعِي الَّذِي يَرْعَى غَنَمَهُ عَلَى حُدُودِ هَذَا الحِمَى، يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْخَطَرِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ قَدْ تَرْتَعُ فِي الحِمَى دُونَ شُعُورٍ فَيُعَاقَبُ الرَّاعِي.
وَهَكَذَا “حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ”؛ هِيَ المَحَارِمُ الَّتِي حَظَرَهَا اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الشُّبُهَاتِ، وَالمَكْرُوهَاتِ، كَانَ كَمَنْ يَرْعَى عَلَى حُدُودِ المَحَارِمِ، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهَا.
فالنَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ضَرَبَ لَنَا فِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ مَثَلًا حَيًّا يُوَضِّحُ خَطَرَ
التَّسَاهُلِ فِي الشُّبُهَاتِ، فشَبَّهَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المُسْتَهِينَ بِالشُّبُهَاتِ بِرَاعٍ يَرْعَى غَنَمَهُ عَلَى حُدُودِ أَرْضٍ مَحْمِيَّةٍ لِمَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ؛ فَمَنْ قَرُبَ مِنْ هَذَا الحِمَى أَوْشَكَتْ مَوَاشِيهِ أَنْ تَرْتَعَ فِيهِ، وَهَكَذَا عَبْدُ اللهِ، إِذَا كَثُرَ حَوْمُهُ حَوْلَ المُشْتَبَهَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ، اقْتَرَبَ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى يَقَعَ فِي المَحَارِمِ الصَّرِيحَةِ.
ثُمَّ يَخْتِمُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الحَدِيثَ بِالأَصْلِ العَظِيمِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ حَيَاةُ العَبْدِ كُلُّهَا :«أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِىَ الْقَلْبُ».
فَالـقَلْبُ هُوَ المَلِكُ المَطَاعُ، وَالجَوَارِحُ هِيَ جُنُودُهُ وَرَعَايَاهُ، فَإِذَا صَلَحَ المَلِكُ اسْتَقَامَتِ الرَّعِيَّةُ، وَإِذَا فَسَدَ المَلِكُ اضْطَرَبَتِ المَمْلَكَةُ.
والسؤال: متى يَكُونُ القَلْبُ سَلِيمًا؟، والجواب: يَكُونُ القَلْبُ سَلِيمًا إِذَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ ، وَعُمِرَ بِمَحَبَّةِ اللهِ وَخَشْيَتِهِ، وَامْتَلَأَ بِالوَرَعِ عَنْ مَحَارِمِهِ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ القَلْبِ السَّلِيمِ: كَثْرَةُ ذِكْرِ اللهِ، وَالوَجَلُ عِنْدَ سَمَاعِ آيَاتِهِ.
وكذا الحِرْصُ عَلَى المَأْكَلِ الحَلَالِ، وَالفَرَارُ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وسَلَامَتُهُ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالحِقْدِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وأَنْ يَكُونَ هَمُّهُ الأَكْبَرُ مَرْضَاةَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ القَلْبِ الفَاسِدِ: الجُرْأَةُ عَلَى المَعَاصِي وَالتَّسَاهُلُ فِي الشُّبُهَاتِ. وقَسْوَةُ القَلْبِ وَعَدَمُ التَّأَثُّرِ بِالمَوَاعِظِ وَالقُرْآنِ. والغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَالِانْغِمَاسُ فِي شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وكَثْرَةُ الحَسَدِ وَالكِبْرِ وَأَذِيَّةِ العِبَادِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فاقْصِدُوا طَهَارَةَ قُلُوبِكُمْ، وَزَكُّوا بُطُونَكُمْ بِالحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِتَعَلُّمِ دِينِكُمْ، وَاهْرُبُوا مِنَ الشُّبُهَاتِ هَرَبَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ لِتَصْلُحَ جَوَارِحُكُمْ، وَتَسْلَمَ لَكُمْ دِينُكُمْ، وَتَلْقَوْا رَبَّكُمْ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَاتَّقُوا اللهَ، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَسَلُوهُ أَنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ عَلَى دِينِهِ.
[الدُّعَاءُ]
