خطبة عن (مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ)
أبريل 16, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (شَهَادَةُ الزُّورِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (30) الحج، وعن صفات عباد الرحمن قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) (72) الفرقان
إخوة الإسلام
(شَهَادَةُ الزُّورِ): هي تعمد إخبار الشخص وشهادته بما لا يعلم، وإن صادف الواقع، ومفهوم شهادة الزور لا يقتصر على أداء الشهادة أمام القاضي فقط، بل يتسع ليشمل كل مجالات حياتنا، فكل مجال يتعمد فيه الإنسان شهادة الكذب فهو من شهادة الزور، فالتاجر الذي يعمد إلى السلع والبضائع فيُغيِّر تاريخ نهاية صلاحيتها من شهادة الزور، والطبيب الذي يعطي شهادة المرض لإنسان ليس مريضًا أصلًا من شهادة الزور، والمراقب للمشاريع والطرقات والبنايات وغيرها، الذي يصدر شهادة بأنها صالحة وموافقة للشروط المتفق عليها، وهو يعلم أنها ليست كذلك؛ من شهادة الزور، والأشخاص الذين يتعمدون تزوير الشهادات العلمية، وتوقيعات الآخرين والفاتورات وغيرها من شهادة الزور،
ومنها “شهادة المجاملة” في التزكيات الوظيفية لمن لا يستحق، ومنها السكوت عن الحق حين تجب الشهادة؛ ومنها انتخاب شخص لا يصلح فهذه شهادة زور
وحكم شهادة الزور أنها محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، بل هي من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب، ففي الصحيحين: (عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – قَالَ سُئِلَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، وفي سنن الترمذي وغيره: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى صَلاَةَ الصُّبْحِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَامَ قَائِمًا فَقَالَ «عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وفي الصحيحين: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ – ثَلاَثًا – الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ ». وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ.
وشهادة الزور فيها هدمُ موازينِ العدل: فالشهادة هي الركن الذي يقوم عليه القضاء؛ فإذا كذب الشاهد، ضاع دمُ البريء، وأُكِلَ مالُ اليتيم، واغْتُصِبت الأرض، وانتهك العرض، فشهادة الزور هي “خيانةٌ عظمى” للمجتمع بأسره، لأنها تُفقد الناس الأمان في أنظمتهم وقوانينهم.
وشهادة الزور فيها الجرأةُ على الله: فشاهدُ الزور يستهين بنظر الله إليه، ويجعل الله -عز وجل- أهون الناظرين إليه، حين يحلف كذباً، وهو يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا زائل، أو مجاملةٍ لقريب، أو خوفاً من صاحب سلطة، وينسى أنَّ الذي يرضيه اليوم بسخط الله، سيسخط الله عليه ويُسخط عليه الناس.
وشهادة الزور فيها تدميرُ الروابطِ الاجتماعية: حين تنتشر شهادة الزور، تسود الأنانية وتختفي الثقة، ويصبح الناس في غابة؛ القوي فيها من يملك “شهوداً” يشتريهم بماله، والضعيف لا يجد من ينصره بالحق.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فشاهد الزور إنسان قد فسدت طويته، وسقم ضميره، وزاغ قلبه، وانحرفت فطرته، وارتكست نفسه، وصار مستعدا لأن يدوس كل القيم والفضائل، ليظفر ويحتفظ بما أبدله بدينه من حطام الدنيا الزائل.
وشاهد الزور خوّان أثيم، فإن لم يتب فله عند الله العذاب الأليم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} النساء (107)، وقال النبي الأكرم: «لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ) رواه أحمد.
وشاهد الزور غشّاش مكّار كذّاب، ونبينا يقول: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه مسلم، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) رواه أبو داود
وشاهد الزور يجني على نفسه أولا، فيلبسها لباس الخزي والعار والذل والاحتقار، ويعرضها لعقاب المنتقم الجبار، ثم يجني على المشهود عليه بإلحاق الضرر به، وقهره وغلبته بالباطل، وحرمانه من حقه، وإيغار صدره عليه، والله تعالى يقول: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (8) المائدة،
وشاهد الزور يجني على المشهود له بإعانته على الباطل والجور والعصيان، والله يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة:2،
وهو يجني أيضا على المجتمع برمته، بحيث يسهم في إفساده وتخريبه، وتهديد كيانه وإسقاطه من بين المجتمعات الراقية،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (شَهَادَةُ الزُّورِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وشاهد الزور يعتبر مفسدا في الأرض، والله عز وجل يقول: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} البقرة (60)، ولهذا كان من صفات عباد الرحمن: تركُ شهادة الزور؛ فقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:72]،
فالواجب على كل مسلم أن يحذر شهادة الزور، وأن يبتعد عنها، لقول الله سبحانه: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج:30]،
وشاهد الزور عليه أن يستدرك ما حصل بشهادته، مع التوبة إلى الله، والإنابة إليه، والندم على ما مضى منه، والعزم ألا يعود،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أن عاقبة شهادة الزور وخيمة في الدنيا والآخرة: ففي الدنيا: مَحْقُ البركة، والخزي في الدنيا ، والفضيحةٌ على رؤوس الأشهاد، ومن شهد بزورٍ فإنه يُخشى عليه من عقوبةٍ عاجلة في أهله أو ماله أو جسده.
وعاقبة شهادة الزور في الآخرة: وعيدٌ بالنار؛ فمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِشَهَادَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
فاللَّهُمَّ طهر ألسنتنا من الكذب، وقلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء. واجعلنا ممن يقولون الحق ولو كان مراً، وممن يشهدون لله بالعدل والصدق.
الدعاء
