خطبة عن (عِظَمُ أجر صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبَرَكَةُ البُكُورِ)
سبتمبر 11, 2026الخطبة الأولى ( فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام مسلم في صحيحه : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا ». قَالَ لاَ. قَالَ « فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا ».
إخوة الإسلام
إن الإسلام دين النصيحة، ودين الوضوح، ودين يحارب الغش والخداع في جميع المعاملات، وهو دين يرفع الجهالة ،ويرفض وسائلها، ويحرص على وضوح الرؤية، والتعامل على بصيرة، لقد جاء الإسلام والمرأة تساق من بيت أبيها إلى بيت زوجها سوقا ،كأنها مغمضة العينين، وكثيراً ما يكون الرجل كذلك بالنسبة لها، فلم يسبق له رؤيتها، ولم يسبق لها رؤيته، مما يؤثر ذلك على الحياة الزوجية تأثيراً هادماً، أو يملؤها بجو البغض والكراهية والانقباض ،
فجاء الإسلام بالتعاليم السمحة، فأمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته، وأن تنظر المخطوبة إلى خطيبها، وليتأمل كل منهما محاسن الآخر في خلقته، في عينيه، في أنفه وفمه، في تقاسيم وجهه، وفي بدانة جسمه أو نحافته، وفي بياض بشرته أو سمرته، وفي تناسق أعضائه أو عاهاته وعيوبه، فلا عيب على المرأة ولا على أهلها أن تكشف لخطيبها عن وجهها وكفيها، ولا عيب عليه أن يكشف لها ولأهلها عن عيوبه، بل العيب أن يخفي أحدهما عن الآخر ما ستكشفه الأيام، العيب كل العيب والخطر كل الخطر يكمن في إخفاء كل منهما عن الآخر ما يفجأ صاحبه، ويعتبره غشاً وخداعاً ومكيدة وقع فيها، وفي سنن أبي داود : (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ ». قَالَ : فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِى إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا).،وفي سنن الترمذي : (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- « انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا ».
أيها المسلمون
وفي هذا الحديث الذي هو بين أيدينا اليوم : فإنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم جاءَ إليه رجلٌ يُخبرُه ويُعلِمُه أنَّه تَزوَّجَ امرأةً منَ الأنصارِ، فسألَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (هَل نَظرْتَ إِليها، فإِنَّ في عُيونِ الأَنصارِ شيئًا)، يعني: بَعضَ ما لا يُستحبُّ مِن زُرقةٍ أو صِغَرٍ أو نحوِ ذلكَ ،وفي هذا دلالة على جواز ذكر مثل هذا للنصيحة ،وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها، ولا يشترط في ذلك إذنها ولا إذن أوليائها عند جمهور أهل العلم ،اكتفاء بإذن الشارع ،ولعموم الأخبار في ذلك مثل حديث جابر المتقدم ،وللخاطب أن يكرر النظر حتى يحصل المقصود ،فإن حصل وجب أن يكف عنه ،وقد اختلف الفقهاء فيما يباح للخاطب رؤيته ممن أراد خطبتها: فذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يجوز له أن ينظر إلى الوجه والكفين ،وذهب آخرون إلى جواز نظر الخاطب لجميع بدن المخطوبة، وذهب الأوزاعي إلى جواز النظر إلى مواضع اللحم، وأجاز بعض الحنابلة زيادة النظر إلى ستة مواضع وهي: الوجه، والرأس، والرقبة، واليد، والقدم، والساق ،كما يجوز للمرأة إذا أرادت أن تتزوج برجل أن تنظر إليه، لأنه يعجبها منه ما يعجبه منها، ولا يجوز للخاطب أن ينظر إلى شيء من عورتها، ولا أن ينظر إلى وجهها وكفيها نظرة تلذذ وشهوة ،وإذا كانت عادة أهلها عدم السماح بأن تبرز ابنتهم، أو بأن ينظر إليها قبل أن يعقد له عليها، أو مخافة أنه لا يرغبها؛ ينظر إليها ثم بعد ذلك لا يريدها فيكون قد نظر إلى من لا يحل له، ففي هذه الحال إذا لم يأذنوا فله أن يرسل أحد قراباته من النساء تنظر إليها كأمه أو أخته أو ابنته يعني: أحد محارمه، أو المرأة التي تخطب له؛ أن يرسل امرأة تخطب له ومع ذلك تنظر إليها، وتخبره بما تراه فيها مما يناسب أو لا يناسب من الجمال أو غيره، ففي سنن البيهقي : (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَبَعَثَ بِامْرَأَةٍ لِتَنْظُرَ إِلَيْهَا فَقَالَ :« شُمِّي عَوَارِضَهَا وَانْظُرِي إِلَى عُرْقُوبَيْهَا ». قَالَ : فَجَاءَتْ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا : أَلاَ نُغَدِّيكِ يَا أُمَّ فُلاَنٍ فَقَالَتْ : لاَ آكُلُ إِلاَّ مِنْ طَعَامٍ جَاءَتْ بِهِ فُلاَنَةُ قَالَ : فَصَعِدَتْ فِي رَفٍّ لَهُمْ فَنَظَرَتْ إِلَى عُرْقُوبَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ : قَبِّلِينِي يَا بُنَيَّةُ قَالَ فَجَعَلَتْ تُقَبِّلُهَا وَهِىَ تَشُمُّ عَارِضَهَا قَالَ فَجَاءَتْ فَأَخْبَرَتْ).
أيها المسلمون
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالأمر بغض البصر ،وتحريم النّظر إلى المرأة الأجنبية ،طهارة للنّفوس ،وصيانة لأعراض العباد ،واستثنت الشّريعة حالات أباحت فيها النّظر إلى المرأة الأجنبية للضرورة ،وللحاجة العظيمة ،ومن ذلك نظر الخاطب إلى المخطوبة ،إذ إنّه سينبني على ذلك اتّخاذ قرار خطير ذي شأن في حياة كل من المرأة والرجل ،وفي صحيح البخاري : ( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لأَهَبَ لَكَ نَفْسِى فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا .فَقَالَ « هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ » . فَقَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا » . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا . قَالَ « انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ » . فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي – قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ – فَلَهَا نِصْفُهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ » . فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ « مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ » . قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّهَا قَالَ « أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ » . قَالَ نَعَمْ . قَالَ « اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ »
أيها المسلمون
وإذا كان الشرع الحنيف قد أجاز للخاطب والمخطوبة أن ينظر كل منها إلى الآخر ،فقد حرم الشرع النظر إلى النساء في غير ضرورة ،فإن كانت النساء محارم جاز النظر إلى وجوههن وأطرافهن، وإن كن غير ذلك فلا يجوز النظر إليهن، لقول الله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (30) ،(31) النور،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
في سنن الترمذي : (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ قَالَ « يَا عَلِيُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ )، والمقصود هنا بالنظرة الأولى نظرة الفجأة كما هو مبين في حديث جرير رضي الله عنه، ففي صحيح مسلم : (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى) .
واستثنى أهل العلم من ذلك من لا تشتهى من النساء عادة، كالعجوز الفانية، والبنت الصغيرة جداً لأمن الفتنة بالنظر إليهما، وتستثنى أيضاً حالات الضرورات ككشف الطبيب على المرأة التي لا تجد طبيبة تكشف عليها، وليست في حالة تحتمل التأخير إلى وجود طبيبة، وكنظر الرجل إلى المرأة ليتحمل الشهادة لها أو عليها،
وغض البصر علامة قوة إيمان العبد وسبب في زيادته، كما في المستدرك عن حذيفة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله تعالى أثابه الله عز وجل إيماناً يجد حلاوته في قلبه”.
الدعاء
