خطبة عن (قُوَّةُ الإِرَادَةِ وَالتَّصْمِيم)
أبريل 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:105]. وقال تعالى: (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (74) آل عمران، وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ» [رواه البخاري]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه مسلم].
إخوة الإسلام
إِنَّنَا نَتَفَيَّأُ اليومَ ظِلَالَ صِفَةٍ مِنْ أَجَلِّ صِفَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ صِفَةُ الرَّحْمَةِ التِي سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَوَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَمِنْ عَظِيمِ لُطْفِهِ سبحانه، أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ هَذِهِ الرَّحْمَةَ بِيَدِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، بَلْ قَالَ بِيَقِينٍ قَاطِعٍ: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}، فهَذَا الِاخْتِصَاصُ هُوَ مَحْضُ فَضْلٍ، وَتَمَامُ حِكْمَةٍ؛ فَاللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَوَاهِبَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالقُلُوبِ التِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْهَا سَحَائِبُ رَحْمَتِهِ، فَالرَّحْمَةُ الإِلَهِيَّةُ لَيْسَتْ لَهَا حُدُودٌ تَقِفُ عِنْدَهَا، وَلَا أَبْوَابٌ يَمْلِكُ الخَلْقُ مَفَاتِيحَهَا، ونحن نعيش فِي كَوْنٍ قَامَ عَلَى الرَّحْمَة، وَوُجِدَ بِالرَّحْمَة، وَيَعُودُ إِلَى الرَّحْمَة.
وحِينَ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ}، فَإِنَّهُ يُعْلِمُنَا أَنَّ هَذِهِ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ أَمْراً مَشَاعاً يَمْلِكُهُ البَشَر، وَلَا تِجَارَةً يَحْتَكِرُهَا ذَوُو الجَاه، بَلْ هِيَ مَحْضُ فَضْلٍ وَاصْطِفَاءٍ مِنْ مَلِكِ المُلُوك سبحانه وتعالى.
ولَقَدْ كَانَ الكُفَّارُ يَسْتَكْثِرُونَ النُّبُوَّةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَسْتَكْثِرُونَ الفَضْلَ عَلَى المُؤْمِنِين، فَجَاءَ الرَّدُّ القُرْآنِيُّ حَاسِماً: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ}، فلَا رَادَّ لِفَضْلِه ورحمته، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، فَمَنْ نَالَتْهُ رَحْمَةُ اللهِ فَقَدْ نَالَ السَّعَادَةَ الأَبَدِيَّة، وَلَوْ كَانَ أَفْقَرَ النَّاسِ حَالاً.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، وتَأَمَّلُوا فِي مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ: فَقَدْ يَرَى النَّاسُ عَبْدًا مَغْمُورًا، ضَعِيفًا، لَا يُؤْبَهُ لَهُ، وَلَكِنَّ اللهَ اخْتَصَّهُ بِرَحْمَةٍ، شَرَحَ بِهَا صَدْرَهُ، وَأَنَارَ بِهَا دَرْبَهُ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، وَقَدْ يُحْرَمُ العَظِيمُ بِجَاهِهِ، وَالغَنِيُّ بِمَالِهِ، مِنْ هَذَا الِاخْتِصَاصِ، إِذَا تَكَبَّرَ وَأَعْرَضَ، ففي صحيح البخاري: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا»، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ».
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، ورَحْمَةَ اللهِ تَأْتِي لِلْعَبْدِ الَّذِي “يتَعَرَّضَ” لَهَا. نَعَمْ الرَّحْمَةُ مَشِيئَةٌ، ولَكِنَّ لَهَا مَفَاتِيحَ، أَمَرَنَا اللهُ بِأَخْذِهَا، فَمَنْ أَحْسَنَ العَمَل، نَالَ رَحْمَةَ الِاخْتِصَاص: قال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} الأعراف:56. وَمَنْ عَمَرَ قَلْبَهُ بِالخَشْيَة، نَالَ رَحْمَةَ الِاخْتِصَاص، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف (156)، (157)،
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، ورَحْمَةَ اللهِ تَأْتِي فِي صُوَرٍ شَتَّى: فَمِنْ رَحْمَتِهِ: أَنْ هَدَاكَ لِلْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ تَائِهاً، وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ سَتَرَكَ حِينَ عَصَيْتَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ رَزَقَكَ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنْكَ وَلَا قُوَّةٍ، قال تعالى :{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر:2]. فَإِذَا فَتَحَ اللهُ لَكَ بَابَ الرَّحْمَةِ فِي صَلَاتِكَ، أَوْ فِي دُعَائِكَ، أَوْ فِي صَبْرِكَ عَلَى بَلَائِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ مِمَّنِ اخْتَصَّهُمُ اللهُ بِفَضْلِهِ، وَهَذَا الِاخْتِصَاصُ لَا يُنَالُ بِالتَّمَنِّي، بَلْ بِالِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ، وَالتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمُسَابَقَةِ الخَيْرَاتِ.
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، فَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاء: “رَحْمَةُ الهِدَايَة”، وأَنْ يَجْعَلَ اللهُ قَلْبَكَ مُقْبِلاً عَلَيْهِ، فِي زَمَنِ الغَفْلَة، فهَذَا اخْتِصَاص، وأَنْ يُوَفِّقَكَ لِدَمْعَةٍ فِي سَحَر، أَوْ لِسَجْدَةٍ بِيَقِين، فهَذَا اخْتِصَاص، وهِيَ رَحْمَةٌ سَاقَهَا اللهُ إِلَيْكَ، لِيُخْرِجَكَ بِهَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور.
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، فالله تعالى يختص برحمته بعض العصاة من خلقه، فيفتح لهم باب التوبة والقبول، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ». قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ.
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، ورَحْمَةُ اللهِ لَيْسَتْ مَنْعاً لِلْبَلَاء، بَلْ هِيَ “اللُّطْفُ” فِي البَلَاء، فقَدْ يَخْتَصُّ اللهُ عَبْداً بِمَرَضٍ، أَوْ فَقْر، ولَكِنَّهُ يُنْزِلُ مَعَهُ مِنْ سَكِينَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، مَا يَجْعَلُ العَبْدَ يَتَلَذَّذُ بِالقَضَاءِ، فانْظُرُوا إِلَى يُوسُفَ (عَلَيْهِ السَّلَام)؛ كَانَتِ الرَّحْمَةُ تَحُفُّهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ، وَفِي ظُلْمَةِ السِّجْن، حَتَّى قَالَ فِي الخِتَام: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ}. لَقَدِ اخْتَصَّهُ اللهُ بِرَحْمَةٍ حَوَّلَتِ المِحْنَةَ إِلَى مِنْحَة.
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، ومَنْ عَرَفَ أَنَّ اللهَ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، لَمْ يَحْسِدْ أَحَدًا عَلَى نِعْمَةٍ، وَلَمْ يَيْئَسْ مِنْ رَوْحِ اللهِ أَبَدًا، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الرِّزْقِ أَوِ العِلْمِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَطَاءُ الرَّبِّ، وَإِذَا ضَاقَتْ عَلَيْكَ، فَالْجَأْ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الِاخْتِصَاصُ، فقد كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» [رواه أبو داود]. فَالرَّحْمَةُ هِيَ مَلَاذُ الخَائِفِينَ، وَرَجَاءُ الـمُذْنِبِينَ، فَأَقْبِلُوا عَلَى اللهِ بِقُلُوبٍ مَوْقِنَةٍ، أَنَّ مَنْ رَحِمَهُ اللهُ فَلَا ضَيْعَةَ عَلَيْهِ. (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، فنقول لليائس المحزون: أَيُّهَا المَحْزُونُ، أَتَظُنُّ أَنَّ نَوَاصِيَ الخَلْقِ بِيَدِ نَفْسِهِمْ؟، فإِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، يَخْتَصُّ مَنْ يُحِبُّ بِمَا يُحِبُّ، فَمَنْ نَالَ رَحْمَةَ اللهِ، فَقَدْ نَالَ السَّعَادَةَ فِي مَحْرَابِهِ، وَالأَمْنَ فِي مِحْرَابِ الخَوْفِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156]. وَفي الحديث: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [رواه البخاري].
فنَحْنُ في هذا الزمان، (زمن الفتن)، نَرَى حَاجَةَ البَشَرِيَّةِ لِرَحْمَةِ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، فالعَالَمُ يَمُوجُ بِالقَسْوَةِ، وَلَكِنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ يَظَلُّ نَدِيّاً بِيَقِينِهِ بِرَحْمَةِ رَبِّهِ، “فاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ”؛ فَاجْعَلْ نَفْسَكَ أَهْلًا لِهَذَا الِاخْتِصَاصِ، فالرَّحْمَةُ تُسْتَنْزَلُ بِرَحْمَةِ الخَلْقِ؛ ففي الحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [رواه الترمذي]. والنَّجَاةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي تَلَمُّسِ رَحَمَاتِ اللهِ: فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَفِي صِلَةِ الأَرْحَامِ، وَفِي إِغَاثَةِ الـمَلْهُوفِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، وإِذَا كَانَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء، فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَة؟، إِنَّ الطَّرِيقَ لِلِاخْتِصَاصِ يَمُرُّ عَبْرَ “رَحْمَةِ الخَلْق”، فَيَا مَنْ تَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ، كُنْ رَحِيماً بِأَهْلِ بَيْتِك، ورَحِيماً بِاليَتَامَى وَالمَسَاكِين، ورَحِيماً بِالحَيَوَانِ الأَعْجَم، فَإِنَّ المَرْأَةَ دَخَلَتِ الجَنَّةَ فِي كَلْبٍ سَقَتْه، وَدَخَلَتْ أُخْرَى النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا.
(وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:105]، فلَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ، فَإِنَّ عَفْوَ اللهِ أَعْظَمُ، وَرَحْمَتُهُ أَوْسَعُ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ مَهْمَا اشْتَدَّتِ الكُرُوب، فإِنَّ الَّذِي اخْتَصَّ زَكَرِيَّا بِالْوَلَدِ عِنْدَ الكِبَر، وَاخْتَصَّ أَيُّوبَ بِالشِّفَاءِ بَعْدَ طُولِ الضُّرّ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّكَ بِنَفْحَةٍ مِنْ نَفَحَاتِهِ تُصْلِحُ لَكَ شَأْنَكَ كُلَّه. فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَبِّكُم، وَالْزَمُوا بَابَهُ بِالِاسْتِغْفَار؛ فَإِنَّهُ مِفْتَاحُ الرَّحَمَات، قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (10): (12) نوح، (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) هود:3. وفي سنن أبي داود وابن ماجه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ».
الدعاء
