خطبة عن (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)
مارس 25, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) البقرة: (249)، وقال تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (154) آل عمران، وقال تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (168) الأعراف، وقال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (35) الأنبياء، وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (31) محمد، وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (2) الملك، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (165) الأنعام
إخوة الإسلام
إِنَّ الحَيَاةَ الَّتِي نَعِيشُهَا لَيْسَتْ دَارَ قَرَارٍ، وَلَا دَارَ جَزَاءٍ، بَلْ هِيَ مَيْدَانُ اخْتِبَارٍ، وَدَارُ ابْتِلَاءٍ، ولَقَدْ أَعْلَنَهَا المولى تبارك وتعالى صَرِيحَةً لِعِبَادِهِ، لِيَهَيِّئُوا أَنْفُسَهُمْ لِمُوَاجَهَةِ التَّكَالِيفِ وَالمِحَنِ ،فَقَالَ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} البقرة: (249)، فَالِابْتِلَاءُ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا تَتَخَلَّفُ، لَا لِيُعَذِّبَنَا اللهُ تعالى، بَلْ لِيُهَذِّبَنَا، وَلِيَسْتَخْرِجَ كُنُوزَ الصَّبْرِ وَالرِّضَا مِنْ مَعَادِنِ قُلُوبِنَا، يَقُولُ تَعَالَى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154].
فَبِالِابْتِلَاءِ يَتَمَيَّزُ الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ، وَالمُجَاهِدُ مِنَ القَاعِدِ، والمؤمن من الكافر، قال تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (40) النمل
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ): فتَأَمَّلُوا فِي قِصَّةِ طَالُوتَ مَعَ جُنُودِهِ، وكَيْفَ كَانَ الِابْتِلَاءُ سَبِيلاً لِتَنْقِيَةِ الصُّفُوفِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ الفَاصِلَةِ، يَقُولُ تَعَالَى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ منه فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة:249]. لَقَدْ كَانَ النَّهَرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَهُمْ عِطَاشٌ، لِيُخْتَبَرَ صَبْرُهُمْ وَطَاعَتُهُمْ، وَهَكَذَا هِيَ الدُّنْيَا؛ نَهَرٌ جَارٍ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَالمَلَذَّاتِ، واللهُ مُبْتَلِينَا بِهِ، فَمَنْ غَرِقَ فِيهِ خَسِرَ، وَمَنْ صَبَرَ وَأَخَذَ بِلَغَةِ العَيْشِ نَجَا.
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ): والِابْتِلَاء لَا يَكُونُ بِالمَصَائِبِ فَقَطْ، بَلْ قد يَكُونُ بِالنِّعَمِ أَيْضاً، وَرُبَّمَا كَانَ ابْتِلَاءُ السَّرَّاءِ أَصْعَبَ مِنْ ابْتِلَاءِ الضَّرَّاءِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف:168]. فَالمَالُ ابْتِلَاءٌ، وَالصِّحَّةُ ابْتِلَاءٌ، وَالمَنْصِبُ ابْتِلَاءٌ، لِيَنْظُرَ اللهُ: هَلْ نَشْكُرُ أَمْ نَكْفُرُ؟، وَالفَقْرُ وَالمَرَضُ ابْتِلَاءٌ، لِيَنْظُرَ: هَلْ نَصْبِرُ أَمْ نَسْخَطُ؟
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ): وَقَدْ رَفَعَ اللهُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ وَالجَاهِ لَا لِتَفَاخُرٍ، وَلَكِنْ لِيَخْتَبِرَ التَّفَاضُلَ فِي العَمَلِ، يَقُولُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام:165]. فَكُلُّ مَا فِي يَدِكَ هُوَ “وَرَقَةُ امْتِحَانٍ”، سَتُسْأَلُ عَنْهَا غَداً، فَالغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالفَقِيرِ، وَالقَوِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالضَّعِيفِ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي مَا آتَاكُمُ اللهُ، اجْعَلُوهُ زَاداً لِلآخِرَةِ لَا سَبَباً لِلشَّقَاءِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ويَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31]. وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» (رواه الترمذي). فإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ الِابْتِلَاءَ قَدَرٌ مَحْتُومٌ، فَكَيْفَ نُوَاجِهُهُ؟، فإِنَّ السِّرَّ يَكْمُنُ فِي اليَقِينِ بِحِكْمَةِ اللهِ،
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ): ونَحْنُ اليَوْمَ فِي زَمَانٍ كَثُرَتْ فِيهِ المِحَنُ وَتَنَوَّعَتْ فِيهِ الفِتَنُ، وَلَا عَاصِمَ إِلَّا الصَّبْرُ وَالاحْتِسَابُ، فابْتِلَاءُ اللهِ لَنَا هُوَ دَلِيلُ رَعَايَتِهِ، لِيُطَهِّرَنَا مِنَ الخَطَايَا، وَيَرْفَعَنَا فِي الدَّرَجَاتِ، بَلْ إِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْلَقُونَ إِذَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ بَلَاءٌ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ): وإِنَّ مَنْفَعَةَ الِابْتِلَاءِ تَظْهَرُ فِي الشَّدَائِدِ؛ حَيْثُ تَنْقَطِعُ حِبَالُ الخَلْقِ، وَتَتَّصِلُ القُلُوبُ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا ابْتُلِيتَ بِضِيقٍ فَقُلْ: “إِنَّ اللهَ مُبْتَلِينِي لِيَسْمَعَ دُعَائِي”، وَإِذَا ابْتُلِيتَ بِسَعَةٍ فَقُلْ: “إِنَّ اللهَ مُبْتَلِينِي لِيَرَى شُكْرِي”، فَالغَايَةُ هِيَ أَنْ نَكُونَ “أَحْسَنَ عَمَلاً” فِي كُلِّ حَالٍ.
فلِنَخْرُجْ مِنْ هَذِا اللقاء بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ، تَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مُرٍّ سَيَمُرُّ، وَأَنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ دَامَ وَاتَّصَلَ، فاللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الصَّبْرَ عِنْدَ البَلَاءِ، وَالشُّكْرَ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وَالرِّضَا بِمُرِّ القَضَاءِ. ولَا تَبْتَلِنَا فِيمَا لَا نُطِيقُ، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً. وثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:2]. وَعَنْ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رواه مسلم).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ): إِنَّ أَوَّلَ حَقِيقَةٍ يَجِبُ أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهَا قَلْبُ المُؤْمِنِ هِيَ أَنَّ هَذِهِ الحَيَاةَ لم تبن عَلَى الرَّاحَةِ، بَلْ بُنِيَتْ عَلَى “الِابْتِلَاءِ”، ولَيْسَ الِابْتِلَاءُ عُقُوبَةً بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هُوَ “فَرْزٌ” لِلْمَعَادِنِ، وَتَصْفِيَةٌ لِلْصُّفُوفِ، وَتَمْحِيصٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ.
وتَأَمَّلُوا فِي صُوَرِ الِابْتِلَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا القُرْآنُ الكريم، ومنها: ابْتِلَاءُ “الإِرَادَةِ وَالانْضِبَاطِ”: في قِصَّةُ طَالُوتَ مَعَ جُنُودِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى شُرْبَةِ مَاءٍ لَنْ يَصْبِرَ عَلَى لِقَاءِ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، هَكَذَا يَبْتَلِينَا اللهُ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لِيَعْلَمَ مَنْ هُوَ “مِنِّي” مِمَّنْ لَيْسَ “مِنِّي”.
ومن صُوَرِ الِابْتِلَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا القُرْآنُ: ابْتِلَاءُ “التَّمْحِيصِ القَلْبِيِّ”: فالحَيَاةُ مَلِيئَةٌ بِالأَحْدَاثِ الَّتِي تَكْشِفُ حَقِيقَةَ النُّفُوسِ؛ {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}، فالرَّخَاءُ قَدْ يَسْتُرُ المُنَافِقَ، ولَكِنَّ الشِّدَّةَ هِيَ “الغِرْبَالُ” الَّذِي لَا يَبْقَى فِيهِ إِلَّا الصَّادِقُ المُنِيبُ.
ومن صُوَرِ الِابْتِلَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا القُرْآنُ: ابْتِلَاءُ “السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ”: فَالغِنَى ابْتِلَاءٌ كَالفَقْرِ، وَالصِّحَّةُ اخْتِبَارٌ كَالمَرَضِ؛ لِيَرَى اللهُ: هَلْ تَشْكُرُ فِي النِّعْمَةِ، وَتَصْبِرُ فِي النِّقْمَةِ؟، فإنَّ الناس كُلَّ مَا أُعْطُوه مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ فهُوَ “وَرَقَةُ امْتِحَانٍ”؛ {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}. لأنَّ اللهَ لَا يَحْتَاجُ لِلِابْتِلَاءِ لِيَعْلَمَ، فَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَلَكِنَّهُ يَبْتَلِي لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَى العَبْدِ، وَلِيَعْلَمَ الصَّادِقُونَ مِنْ كَاذِبِي الأَمَانِي
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فالغَايَةُ النِّهَائِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} الغَرْبَلَةُ، لِيَظْهَرَ الصَّفُّ المُؤْمِنُ القَوِيُّ؛ والغاية من الابتلاء: لِيَتَبَيَّنَ “أَحْسَنُ العَمَلِ”: لَمْ يَقُلْ “أَكْثَرَ عَمَلًا”، بَلْ {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. وَالأَحْسَنُ هُوَ الأَخْلَصُ وَالأَصْوَبُ حَالَ الشِّدَّةِ. والغاية من الابتلاء: لِيَعْلَمَ الصَّابِرُونَ: فلَا يُعْرَفُ الصَّبْرُ إِلَّا عِنْدَ الصَّدْمَةِ، وَلَا يُعْرَفُ اليَقِينُ إِلَّا عِنْدَ الضَّبَابِ. والغاية من الابتلاء: الرُّجُوعُ إِلَى اللهِ: فالغَرَضُ مِنَ الِابْتِلَاءِ بِالسَّيِّئَاتِ هُوَ: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. فَالْبَلَاءُ الَّذِي يُعِيدُكَ إِلَى اللهِ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ “رَحْمَةٌ” مُغَلَّفَةٌ بِأَلَمٍ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. إِذَا مَرَرْتُمْ بِنَهَرِ الشَّهَوَاتِ، فَتَذَكَّرُوا “نَهَرَ طَالُوتَ”، وَإِذَا رُفِعْتُمْ دَرَجَاتٍ فِي الدُّنْيَا، فَتَذَكَّرُوا أَنَّهَا لِـ “لِيَبْلُوَكُمْ”، فالحَيَاةُ قَصِيرَةٌ، وَالاخْتِبَارُ دَقِيقٌ، وَالمَرْجِعُ إِلَى اللهِ حَقٌّ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ. اللَّهُمَّ نَقِّ قُلُوبَنَا وَمَحِّصْ صُدُورَنَا. اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عِنْدَ الفِتَنِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الصَّابِرِينَ المُرَابِطِينَ. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينَ، وَأَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَتَقَبَّلْ طَاعَاتِنَا وَاعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ.
الدعاء
