خطبة عن (احْذَروا أَنْ تَتَحَوَّلَ العِبَادَةُ إِلَى عَادَةٍ)
فبراير 17, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133]. ورُوي في المستدرك للحاكم: (عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُحْضُرُوا الْمِنْبَرَ»، فَحَضَرْنَا، فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ: «آمِينَ»، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ: «آمِينَ»، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ: «آمِينَ»، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْتُ: آمِينَ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ العَاقِلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الأَيَّامَ خَزَائِنُ، وَأَنَّ أَعْظَمَ خِزَانَةٍ قَدْ تَمُرُّ بِمُسْلِمٍ هِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ، ولَكِنَّ هَذِهِ الفُرْصَةَ يَصْحَبُهَا تَحْذِيرٌ نَبَوِيٌّ يَهْتَزُّ لَهُ الوِجْدَانُ؛ فَقَدْ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ المِنْبَرَ فَقَالَ: «آمين، آمين، آمين»، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: «رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» [رواه الترمذي والحاكم].
وتَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- فِي جَلَالِ هَذَا المَشْهَدِ: جِبْرِيلُ يَدْعُو، وَنبي الله مُحَمَّدٌ ﷺ يُؤَمِّنُ!، وَالدُّعَاءُ بِالذُّلِّ وَالخَسَارَةِ (رَغِمَ أَنْفُهُ: أَيْ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ ذُلّاً)، فلِمَاذَا كُلُّ هَذَا؟، والجواب: لِأَنَّ الَّذِي يُضِيعُ رَمَضَانَ لَمْ يُضِيعُ شَهْراً مَعْدُوداً، بَلْ أَضَاعَ “فُرْصَةَ العُمْرِ” الَّتِي لَا تُعَوَّضُ،
والسؤال: لِمَاذَا كان رَمَضَانُ هُوَ فُرْصَةُ العُمْرِ؟، والجواب: لِأَنَّهُ مَوْسِمُ “التَّخْفِيضَاتِ” الإِلَهِيَّةِ :ففيه حَسَنَاتٌ مُضَاعَفَةٌ، وَأَبْوَابُ جَنَّةٍ مُفَتَّحَةٌ، وَشَيَاطِينُ مُصَفَّدَةٌ، فكُلُّ العَوَامِلِ مُهَيَّأَةٌ لِتَتُوبَ، فَإِذَا لَمْ تَتُبْ وَالسَّمَاءُ تَنْزِلُ رَحْمَةً، وَالشَّيْطَانُ مَغْلُولٌ، فَمَتَى تَتُوبُ؟،
وأيضا: لِأَنَّ العُمْرَ رِحْلَةٌ لَا تَعْرِفُ العَوْدَةَ: فكَمْ مِنْ مَاشٍ بَيْنَنَا اليَوْمَ لَنْ يُدْرِكَ رَمَضَانَ القَادِمَ؟، وَكَمْ مِنْ مُسَجًّى فِي قَبْرِهِ يَتَمَنَّى رَكْعَةً أَوْ تَسْبِيحَةً مِنْ هَذَا الشَّهْرِ؟، وأَنْتَ اليَوْمَ فَوْقَ الأَرْضِ، وَغَدًا تَحْتَهَا، فَهَلْ تَضْمَنُ نَفَسَكَ بَعْدَ لَحْظَةٍ؟،
وشهر رمضان فرصة العمر: لِأَنَّ فِيهِ “لَيْلَةَ القَدْرِ”: لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ عُمْرٍ كَامِلٍ (83 سَنَةً). وهِيَ فُرْصَةٌ لِتُعِيدَ تَرْمِيمَ حَيَاتِكَ مَعَ اللهِ، وَتَمْحُوَ صَفَحَاتِ المَاضِي السَّوْدَاءَ فِي سَاعَاتٍ بَيْضَاءَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ): فهو فرصة لِتَصْحِيحِ الْمَسَارِ، وَغَسْلِ الذُّنُوبِ، وَعَقْدِ الصُّلْحِ مَعَ اللَّهِ تعالى، فإِنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ فِيهِ تُسَاوِي كُنُوزَ الدُّنْيَا؛ فَالصَّائِمُ فِيهِ مَرْحُومٌ، وَالْقَائِمُ فِيهِ مَغْفُورٌ لَهُ، وَالْمُحْسِنُ فِيهِ مُضَاعَفٌ لَهُ الْأَجْرُ، فَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ فَقَدْ فَرَّطَ فِي رَأْسِ مَالِهِ الْأُخْرَوِيِّ، والمَحْرُومَ لَيْسَ مَنْ فَاتَهُ الرِّبْحُ فِي التِّجَارَةِ، بَلِ المَحْرُومُ مَنْ مَرَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَهُوَ لَا يَزَالُ مُقِيماً عَلَى ذَنْبِهِ، هَاجِراً لِمَصْحَفِهِ، مُقَصِّراً فِي فَرَائِضِهِ، وهَذَا لَيْسَ لِلْقُنُوطِ، بَلْ هُوَ “صَرْخَةُ تَنْبِيهٍ” لِتَسْتَيْقِظَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
(رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ): فاعلموا أنَّ سُبُلَ الْمَغْفِرَةِ فِي رَمَضَانَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى؛ فَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَةٌ، وَأَبْوَابُ النَّارِ مُغَلَّقَةٌ، وَالشَّيَاطِينُ مُصَفَّدَةٌ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، فَمَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مُهَيَّأَةٌ، فَمَتَى يُغْفَرُ لَهُ؟، فإِنَّهُ لَمْ يُحْرَمِ الْمَغْفِرَةَ إِلَّا لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ، وَأَصَرَّ عَلَى الْغَفْلَةِ فِي وَقْتِ الْيَقَظَةِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
(رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ): فَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» [سنن الترمذي]. ومَعْنَى “رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ” أَيْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ ذُلًّا وَخَسَارَةً، وَهِيَ دَعْوَةٌ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْجُرْمِ الَّذِي يَرْتَكِبُهُ مَنْ يُضَيِّعُ فُرْصَةَ رَمَضَانَ، فإِنَّ الْعَفْوَ الْإِلَهِيَّ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَبْذُولٌ لِكُلِّ طَالِبٍ، فَلَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ بِسَبَبِ التَّسْوِيفِ، فقُلْ الْيَوْمَ: “أَنَا تَائِبٌ”، قُلِ الْيَوْمَ: “أَنَا رَاجِعٌ”، ولَا تَنْتَظِرِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ لِتَبْدَأَ، بَلِ ابْدَأْ مِنْ أَوَّلِ لَحْظَةٍ؛ فَإِنَّ الْخَيْلَ إِذَا شَارَفَتْ نِهَايَةَ الْمِضْمَارِ بَذَلَتْ قُصَارَى جُهْدِهَا، وَأَنْتَ لَا تَدْرِي مَتَى يَنْتَهِي مِضْمَارُ عُمُرِكَ.
والسؤال: كَيْفَ نَغْتَنِمُ هَذِهِ الفُرْصَةَ حَتَّى لَا نَكُونَ مِمَّنْ “رَغِمَتْ أُنُوفُهُمْ”؟، والجواب: أَوَّلًا: بالِاعْتِرَافُ بِتَقْصِيرِ المَاضِي: فقُلْ يَا رَبِّ، هَذَا رَمَضَانِي الأَخِيرُ (افْتِرَاضاً)، فَكَيْفَ سَأُقَابِلُكَ؟، ثَانِيًا: تَقْدِيمُ “الأَهَمِّ”: فلَا تَنْشَغِلْ بِفُضُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَكَثْرَةِ النَّوْمِ، فرَمَضَانُ سَاعَاتٌ سَرِيعَةٌ، فَاجْعَلْ أَوْلَوِيَّتَكَ (الصَّلَاةَ، القُرْآنَ، الدُّعَاءَ). ثَالِثًا: بالإِقْلَاعُ الفَوْرِيُّ عَنِ المَعَاصِي: فلَا يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِ المُؤْمِنِ صِيَامٌ وَغِيبَةٌ، أَوْ صِيَامٌ وَنَظَرٌ لِلْحَرَامِ. طَهِّرْ مَعْمَلَ قَلْبِكَ لِيَسْتَقْبِلَ نُورَ الصِّيَامِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ): فحِينَ نَسْتَقْبِلُ رَمَضَانَ فلَا تَجْعَلُوا هَذِهِ الْفُرْصَةَ تَضِيعُ فِي مُتَابَعَةِ التَّوَافِهِ، أَوِ الْغَرَقِ فِي النَّوْمِ، أَوِ الِانْشِغَالِ بِفُضُولِ الطَّعَامِ، فرَمَضَانُ سُوقٌ قَامَتْ ثُمَّ انْفَضَّتْ؛ رَبِحَ فِيهَا مَنْ رَبِحَ، وَخَسِرَ فِيهَا مَنْ غَفَلَ.
واغْتِنَام “فُرْصَةِ الْعُمُرِ” يَكُونُ بِتَحْقِيقِ شُرُوطِ الْقَبُولِ: “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا”، فآمِنْ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَاحْتَسِبِ الْأَجْرَ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ، واجْعَلْ لَكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَبِيئَةً مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ؛ دَمْعَةً فِي خَلْوَةٍ، أَوْ صَدَقَةً فِي سِرٍّ، أَوْ كَلِمَةً طَيِّبَةً لِمَكْرُوبٍ، فإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ: «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ» [سنن الترمذي].
فَهَلْ مِنْ مُلَبٍّ لِلنِّدَاءِ؟، وَهَلْ مِنْ مُسَارِعٍ لِلْجِنَانِ؟، فإِنَّ السَّاعَاتِ تَمُرُّ، وَالْأَيَّامَ تَطْوِي بَعْضَهَا، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، وَلَا تَكُونُوا مِمَّنْ شَقِيَ بِرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرُ السَّعَادَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(رَمَضَانُ فُرْصَةُ الْعُمُرِ): فاجْعَلُوا مِنْ رَمَضَانَ مُنْطَلَقًا لِتَغْيِيرٍ شَامِلٍ؛ فَمَنْ كَانَ هَاجِرًا لِلصَّلَاةِ فَلْيَعُدْ، وَمَنْ كَانَ قَاطِعًا لِلرَّحِمِ فَلْيَصِلْ، وَمَنْ كَانَ مُوقِعًا فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ فَلْيَصْمُتْ، فإِنَّ “فُرْصَةَ الْعُمُرِ” لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، وَالرِّبْحُ فِيهَا هُوَ الْجَنَّةُ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، ولَا تَخْرُجُوا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ إِلَّا وَقَدْ غَيَّرْتُمْ مَنْ مَسَارِ حَيَاتِكُمْ نَحْوَ الْأَفْضَلِ، ولِيَكُونَ رَمَضَانُ هذا هُوَ رَمَضَانُ الْقَبُولِ وَالنَّجَاةِ، فرَمَضَانُ سُوقٌ قَامَ ثُمَّ انْفَضَّ، رَبِحَ فِيهِ مَنْ رَبِحَ وَخَسِرَ فِيهِ مَنْ خَسِرَ، فَلَا تَكُونُوا مِنَ الخَاسِرِينَ وَأَنْتُمْ تَمْلِكُونَ مَفَاتِيحَ الرِّبْحِ. بَادِرُوا قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا حُسْنَ الِاسْتِفَادَةِ مِنْ هَذِهِ الْفُرْصَةِ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَنَا مِنَ الْمَحْرُومِينَ. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَاجْعَلْنَا فِيهِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاكْفِنَا هَمَّنَا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا صَالِحَ أَعْمَالِنَا، ونختم بهذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:127-128].
الدعاء
