خطبة عن صُومُوا: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
فبراير 16, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (احْذَروا أَنْ تَتَحَوَّلَ العِبَادَةُ إِلَى عَادَةٍ، وَاجْعَلوا مِنْ عَادَاتِكم عِبَادَاتٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة:5]. وَفي الحديث: (عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (رواه البخاري ومسلم).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
المقصود بالعبادة: هي ما أمر الله به ورسوله تقرباً إلى الله، وابتغاءً لثوابه، وأما العادة: فهي ما اعتاده الناس فيما بينهم: من المطاعم، والمشارب، والمساكن، والملابس، والمراكب، والمعاملات، وما أشبهها.
ومن المعلوم أنَّ مِحْوَرَ قَبُولِ الأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى هُوَ “القَصْدُ وَالنِّيَّةُ“؛ فَبِالنِّيَّةِ تَتَمَيَّزُ العِبَادَاتُ عَنِ العَادَاتِ، وَبِهَا تَرْتَفِعُ الدَّرَجَاتُ، أَوْ تَمْحَقُ الحَسَنَاتُ،
وَمِنْ أَخْطَرِ مَا يُصَابُ بِهِ العَبْدُ فِي طَرِيقِهِ إِلَى اللهِ: أَنْ تَتَحَوَّلَ عِبَادَاتُهُ العَظِيمَةُ إِلَى مُجَرَّدِ “عَادَاتٍ” بَاهِتَةٍ؛ فَيُصَلِّي رِيَاضَةً لِلأَبْدَانِ، وَيَصُومُ حِمْيَةً لِلأَجْسَامِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ طَلَباً لِلأَلْحَانِ، دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ قَلْبُهُ أَوْ تَخْشَعَ جَوَارِحُهُ، فالعِبَادَة إِذَا فَقَدَتْ رُوحَ النِّيَّةِ وَالِاحْتِسَابِ، صَارَتْ هَيْكَلاً بِلَا رُوحٍ، وَرَسْماً بِلَا حَقِيقَةٍ.
وتَأَمَّلُوا فِي صَلَاتِنَا اليوم: فكَمْ مَرَّةً دَخَلْنَا فِيهَا وَخَرَجْنَا دُونَ أَنْ نَعِيَ مَا قَرَأْنَا؟، ذَلِكَ لِأَنَّهَا صَارَتْ عِنْدَ البَعْضِ عَادَةً مَوْرُوثَةً، يُؤَدِّيهَا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ، بِحَرَكَاتٍ مَرْسُومةٍ. وَالقُرْآنُ يُنَادِينَا: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14]. فَإِذَا غَابَ الذِّكْرُ وَحَضَرَتِ العَادَةُ، ضَاعَ المَقْصُودُ
وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ؛ مَنْ صَامَ لِأَنَّ أَهْلَهُ صَائِمُونَ، أَوْ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَدْ هَلَّ، دُونَ اسْتِحْضَارِ مَعْنَى العُبُودِيَّةِ لله، فَقَدْ حُرِمَ الأجر والقَبُول، يَقُولُ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري). فَالِاحْتِسَابُ هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ العِبَادَةَ مِنْ ضِيقِ العَادَةِ إِلَى سَعَةِ الأَجْرِ.
والمُؤْمِن اللَّبِيب: هُوَ الَّذِي لَا يَكْتَفِي بِحِمَايَةِ عِبَادَاتِهِ، بَلْ يَمْتَدُّ طُمُوحُهُ لِيُحَوِّلَ “عَادَاتِهِ” اليَوْمِيَّةَ إِلَى عِبَادَاتٍ رَبَّانِيَّةٍ، يَقُولُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي» (رواه البخاري).
فمَا أَجْمَلَ الحَيَاةَ حِينَ تَصْبُغُهَا النِّيَّةُ بِصِبْغَةِ اللهِ!، قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة:138].
فتَحْوِيل العَادَةِ إِلَى عِبَادَةٍ يَجْعَلُ العُمُرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَلَا يَضِيعُ نَفَسٌ وَلَا تَمُرُّ لَحْظَةٌ دُونَ أَجْرٍ، فإِذَا ابْتَسَمْتَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ نَوَيْتَ الصَّدَقَةَ، وَإِذَا أَمَطْتَ الأَذَى نَوَيْتَ الإِيمَانَ، وَإِذَا صَمَتَّ نَوَيْتَ التَّفَكُّرَ، وهَكَذَا يَعِيشُ المُؤْمِنُ رَابِحاً فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، مُتَحَقِّقاً فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ويَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2]. (وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (رواه مسلم). فهَذَا الحَدِيث العَظِيم هُوَ القَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ لِتَحْوِيلِ العَادَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ، فالشَّهْوَةُ وَهِيَ مَيْلُ النَّفْسِ، إِذَا قُصِدَ بِهَا العَفَافُ وَإِعْطَاءُ الحَقِّ، صَارَتْ صَدَقَةً يُثَابُ عَلَيْهَا العَبْدُ.
ونَحْنُ اليوم بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِإِحْيَاءِ “فِقْهِ النِّيَّةِ“؛ فَالمُوظَّفُ فِي مَكْتَبِهِ إِذَا نَوَى نَفْعَ المُسْلِمِينَ، فَهُوَ فِي عِبَادَةٍ، وَالطَّالِبُ فِي دَرْسِهِ إِذَا نَوَى عِمَارَةَ الأَرْضِ، فَهُوَ فِي عِبَادَةٍ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا إِذَا نَوَتْ تَرْبِيَةَ جِيلٍ صَالِحٍ، فَهِيَ فِي عِبَادَةٍ.
فاحْذَرُوا التَّلَاشِيَ فِي الرَّتَابَةِ، وَلَا تَجْعَلُوا طَاعَاتِكُمْ أَمَالاً لَا رُوحَ فِيهَا، وجَدِّدُوا النِّيَّةَ عِنْدَ كُلِّ عَمَلٍ، وَاسْأَلُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ كُلِّ خُطْوَةٍ: لِمَاذَا نَفْعَلُ هَذَا؟، فإِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ عَالِمٍ عَابِدٍ، وَبَيْنَ غَافِلٍ زَاهِدٍ، هُوَ تِلْكَ النِّيَّةُ، الَّتِي تَصْبَغُ العَمَلَ بِرِضَا اللهِ، فَالعَادَاتُ لِعَامَّةِ النَّاسِ، وَالعِبَادَاتُ لِخَاصَّةِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَحْضَرُوا الرَّقِيبَ فِي كُلِّ شَأْنٍ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَلِوَجْهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْئاً. اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي نِيَّاتِنَا، وَاجْعَلْ عِبَادَاتِنَا مَقْبُولَةً، وَعَادَاتِنَا مَأْجُورَةً. اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (احْذَرْ أَنْ تَتَحَوَّلَ العِبَادَةُ إِلَى عَادَةٍ، وَاجْعَلْ مِنْ عَادَاتِكَ عِبَادَاتٍ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
(احْذَروا أَنْ تَتَحَوَّلَ العِبَادَةُ إِلَى عَادَةٍ، وَاجْعَلوا مِنْ عَادَاتِكم عِبَادَاتٍ): والسؤال: كَيْفَ نَحْذَرُ مِنْ تَحَوُّلِ العِبَادَةِ إِلَى عَادَةٍ؟، والجواب: أولا: بتَجْدِيد النِّيَّةِ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ: النِّيَّةُ هِيَ الرُّوحُ، وَالعَمَلُ هُوَ الجَسَدُ؛ فَإِذَا خَلَا العَمَلُ مِنَ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ كَانَ جُثَّةً هَامِدَةً، فقَبْلَ أَنْ تُكَبِّرَ لِلصَّلَاةِ، سَلْ نَفْسَكَ: لِمَاذَا أُصَلِّي؟ لِيَرَانِي النَّاسُ؟ أَمْ لِأَنَّ السَّاعَةَ حَانَتْ؟ أَمْ حُبًّا وَشَوْقًا لِمُنَاجَاةِ مَلِكِ المُلُوكِ؟
ثانيا: باسْتِحْضَار القَلْبِ وَالتَّدَبُّر: فالعِبَادَةُ لَيْسَتْ أَرْقَامًا نُؤَدِّيهَا، بَلْ هِيَ مَشَاعِرُ نَعِيشُهَا، فالقِرَاءَةُ بِتَدَبُّرٍ، وَالسُّجُودُ بِخُضُوعٍ، هُوَ مَا يَمْنَعُ العِبَادَةَ مِنْ أَنْ تُصْبِحَ آلِيَّةً بَاهِتَةً.
ثالثا: بمُجَاهَدَة السَّأَمِ بِالتَّنَوُّعِ: فقد كَانَ ﷺ يَتَحَوَّلُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ؛ فَتَارَةً ذِكْرٌ، وَتَارَةً قُرْآنٌ، وَتَارَةً إِحْسَانٌ، لِتَظَلَّ النَّفْسُ مُتَيَقِّظَةً مُسْتَمْتِعَةً بِالقُرْبِ مِنَ اللهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا كَانَ تَحَوُّلُ العِبَادَةِ إِلَى عَادَةٍ “نَقْصًا”، فَإِنَّ تَحْوِيلَ العَادَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ هُوَ “ذَكَاءٌ إِيمَانِيٌّ” وَتِجَارَةٌ رَابِحَةٌ مَعَ اللهِ،
والسؤال: كَيْفَ تَجْعَلُ عَادَاتِكَ عِبَادَاتٍ؟ والجواب: بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ: فالنَّوْمُ مثلا: إِذَا نِمْتَ لِتَتَقَوَّى عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَنَوْمُكَ عِبَادَةٌ، والأَكْلُ وَالشُّرْبُ: إِذَا أَكَلْتَ لِتُحَافِظَ عَلَى أَمَانَةِ جَسَدِكَ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ، فَأَكْلُكَ عِبَادَةٌ، والكَسْبُ وَالعَمَلُ: إِذَا خَرَجْتَ لِتَطْلُبَ الرِّزْقَ الحَلَالَ لِتُعِفَّ نَفْسَكَ وَأَهْلَكَ، فَأَنْتَ فِي عِبَادَةٍ، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَضَعُهَا فِي فَمِ زَوْجَتِكَ لَكَ بِهَا صَدَقَةٌ.
ألا فحَوِّلُوا كُلَّ حَرَكَةٍ وَسَكَنَةٍ إِلَى رَصِيدٍ فِي الآخِرَةِ، وَلَا تَدَعُوا عِبَادَاتِكُمْ تَذْهَبُ جَفَاءً بِسَبَبِ الغَفْلَةِ وَتَرْكِ الِاحْتِسَابِ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَلِوَجْهِكَ خَالِصَةً. اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِنَا، وَأَعِذْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ مِنَ الغَافِلِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَيَاتَنَا كُلَّهَا عِبَادَةً، وَمَوْتَنَا شَهَادَةً. اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي فِلَسْطِينَ، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَتَقَبَّلْ طَاعَاتِنَا وَصِيَامَنَا وَقِيَامَنَا، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
