خطبة عن (عِبَادُ الرَّحْمَنِ: بَنَّاؤُونَ لِلأَجْيَالِ، وَارِثُونَ لِلظِّلالِ)
فبراير 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَهْلًا رَمَضَانُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:184]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِ رَمَضَانَ فَيَقُولُ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ » [سنن النسائي].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(أَهْلًا رَمَضَانُ)، أهْلًا بِالشَّهْرِ الَّذِي تَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ، وَتَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ نُفُوسُ الصَّالِحِينَ، أَهْلًا بِمَوْسِمِ الرَّحْمَةِ، وَمَيْدَانِ الْمُسَابَقَةِ، وَمَنْهَلِ الْمَغْفِرَةِ،
(أَهْلًا رَمَضَانُ): أَهْلًا بِمُطَهِّرِ الذُّنُوبِ، أَهْلًا بِمُرَبِّي النُّفُوسِ، أَهْلًا بِشَهْرِ القُرْآنِ وَالصِّيَامِ وَالقِيَامِ، فاسْتِقْبَال شهر رَمَضَانَ هُوَ اسْتِقْبَالُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ “آخِرَ” رَمَضَانَ فِي عُمْرِهِ، فليغتنم أيامه ولياليه، لتغفر ذنوبه، ويرتقي درجات في جنات النعيم
(أَهْلًا رَمَضَانُ): فإِنَّ بلوغنا شهر رمضان، وبَقَاءَنَا إِلَى هَذِهِ اللَّحَظَاتِ، لِنَسْتَقْبِلَ شهر الصوم لهُوَ نِعْمَةٌ مَحْضَةٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَكَمْ مِنْ أَصْحَابٍ وَإِخْوَةٍ كَانُوا مَعَنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي، غَيَّبَهُمُ الْمَوْتُ، فَلَمْ يُدْرِكُوا معنا هَذَا الْفَضْلَ، فَلْيَكُنْ أَوَّلُ شُعُورٍ يَسْتَقِرُّ فِي قَلْبِكَ الْيَوْمَ هُوَ “الِامْتِنَانُ لِلَّهِ” أَنْ أَفْسَحَ وأطال فِي عُمُرِكَ، لِتَنَالَ فُرْصَةً جَدِيدَةً لِلْعِتْقِ مِنَ النَّارِ.
والسؤال: كَيْفَ نَقُولُ لِرَمَضَانَ أَهْلًا؟، والجواب: بِالفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (58) يونس.
ونَقُولُ لِرَمَضَانَ أَهْلًا: بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ: فلَا تَدْخُلْ مَيْدَانَ السِّبَاقِ وَأَنْتَ تَحْمِلُ أَثْقَالَ الذُّنُوبِ عَلَى ظَهْرِكَ، فطَهِّرْ قَلْبَكَ الآنَ، اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، صِلْ رَحِمَكَ، حَتَّى يَنْزِلَ نُورُ رَمَضَانَ عَلَى قَلْبٍ نَقِيٍّ فَيَسْتَقِرَّ فِيهِ.
ونَقُولُ لِرَمَضَانَ أَهْلًا: بِعَقْدِ النِّيَّةِ عَلَى “التَّغْيِيرِ”: فلِيَكُنْ شِعَارُكَ هَذَا العَامَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُ رَمَضَانَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ». فانْوِ خَتْمَ القُرْآنِ تَدَبُّرًا، وَانْوِ قِيَامَ اللَّيْلِ حَقًّا، وَانْوِ صِيَامَ الجَوَارِحِ عَنِ الحَرَامِ.
(أَهْلًا رَمَضَانُ): وليكن معلوما أنَّ الِاسْتِقْبَالَ الْحَقِيقِيَّ لِرَمَضَانَ، لَيْسَ بِتَكْثِيرِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ، بَلْ بِمَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183].. فَالْغَايَةُ مِنَ الصِّيَامِ: هِيَ صِيَانَةُ الْقَلْبِ، وَتَهْذِيبُ النَّفْسِ، وبلوغ درجات المتقين، فاسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِـ “التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ”؛ ونَقُّوا صَفَحَاتِكُمْ مَعَ اللَّهِ، وَأَبْرِئُوا ذِمَمَكُمْ مَعَ الْخَلْقِ، ولَا تَدْخُلُوا هَذَا الشَّهْرَ وَفِي صُدُورِكُمْ شَحْنَاءُ، أَوْ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، فَإِنَّ أَعْمَالَ الْمُتَشَاحِنِينَ لَا تُرْفَعُ، وطَهِّرُوا الْأَوْعِيَةَ قَبْلَ أَنْ تَمْلَؤُوهَا بِأَنْوَارِ الطَّاعَاتِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(أَهْلًا رَمَضَانُ): فإِنَّ رَمَضَانَ “أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ”، سُرْعَانَ مَا تَمْضِي، فَلَا تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كَشَهْرٍ طَوِيلٍ، بَلْ كَأَنْفَاسٍ نَفِيسَةٍ لَا تَعُودُ، فقد كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَدْعُونَ اللَّهَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَانَ، فَإِذَا دَخَلَ جَدُّوا وَاجْتَهَدُوا، فَلْنُعَاهِدِ اللَّهَ عَلَى خُطَّةٍ عَمَلِيَّةٍ؛ عَهْدًا عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ، وَعَهْدًا عَلَى وِرْدٍ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يُتْرَكُ، وَعَهْدًا عَلَى لِسَانٍ لَا يَذْكُرُ إِلَّا خَيْرًا، هَكَذَا يَكُونُ الِاحْتِفَاءُ بِقُدُومِ ضَيْفِ الرَّحْمَنِ.
(أَهْلًا رَمَضَانُ): ومن المعلوم أنَّ فِي رَمَضَانَ كُنُوزًا مَخْبُوءَةً؛ ففِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَفِيهِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفِيهِ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، الَّذِي هُوَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، فَهَلْ يَلِيقُ بِمَنْ يَعْلَمُ هَذَا الْفَضْلَ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِالْغَفْلَةِ، وَالسَّهَرِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ؟، فإِنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَ رَمَضَانَ، وَالْخَاسِرَ مَنْ مَضَى عَلَيْهِ الشَّهْرُ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَلْنَشْحَذِ الْهِمَمَ، وَلْنُرِ اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِنَا خَيْرًا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَهْلًا رَمَضَانُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
رُوي في الصحيحين: (أن أَبَا هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ»، وفي سنن الترمذي وغيره: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ »، فيَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ.. وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، فهَذَا نِدَاءُ السَّمَاءِ لَكَ اليَوْمَ، فَهَلْ نَقُولُ جَمِيعًا بِلِسَانِ الحَالِ وَالمقَالِ: (أَهْلًا رَمَضَانُ؟)
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [صحيح البخاري]. فرَمَضَان هُوَ شَهْرُ الْقُرْآنِ بِالْمَقَامِ الْأَوَّلِ؛ فَلَا تَجْعَلُوا نَصِيبَكُمْ مِنْهُ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ فَقَطْ، ولكن اجْعَلُوا لِلْقُرْآنِ فِي بُيُوتِكُمْ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ،
وَاعْلَمُوا أَنَّ الصِّيَامَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي تَصُومُ فِيهِ الْجَوَارِحُ عَنِ الْمَعَاصِي؛ فَتَصُومُ الْعَيْنُ عَنِ النَّظَرِ الْحَرَامِ، وَتَصُومُ الْأُذُنُ عَنِ الْغِيبَةِ، وَتَصُومُ الْيَدُ عَنِ الْأَذَى، فإِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ،
وأَقْبِلُوا عَلَى شَهْرِكُمْ بِالْبِشْرِ وَالِاسْتِبْشَارِ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وخَصِّصُوا جُزْءًا مِنْ مَالِكُمْ لِتَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ وَسَدِّ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ، فَالصَّدَقَةُ فِي رَمَضَانَ لَهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَكَانَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وحَافِظُوا عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَلَا تَنْصَرِفُوا حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ لِيُكْتَبَ لَكُمْ قِيَامُ لَيْلَةٍ.
واعلموا أن رَمَضَان فُرْصَةٌ لِلتَّغْيِيرِ، فَلْنَبْدَأْ مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، فاللَّهُمَّ بَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَتَقَبَّلْهُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ شَهْرَ عِزٍّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمْنٍ وَسَلَامٍ عَلَى الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، ونختم حديثنا بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133].
الدعاء
