خطبة عن (عِبَادُ الرَّحْمَنِ.. مُتَوَاضِعُونَ سَاجِدُونَ)
فبراير 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عِبَادُ الرَّحْمَنِ.. مِنْ جَهَنَّمَ خَائِفُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (65)، (66) الفرقان، وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَسْأَلُ اللَّهَ عَبْدٌ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يَسْتَجِيرُ عَبْدٌ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ » (رواه الترمذي وابن ماجه).
إخوة الإسلام
مَا زِلْنَا فِي رِحَابِ سُورَةِ الفُرْقَانِ، نَسْتَجْلِي صِفَاتِ نُخْبَةِ الخَلْقِ (عِبَادِ الرَّحْمَنِ): فَبَعْدَ أَنْ وَصَفَهُمُ اللهُ بِحُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ نَهَاراً، وَبِطُولِ القُنُوتِ وَالسُّجُودِ لِلَّهِ لَيْلاً، انْتَقَلَ لِيَصِفَ “أَعْمَالَ قُلُوبِهِمْ”، وَخَوْفَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَمَعَ كُلِّ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ طَاعَاتٍ، وَمَعَ كُلِّ مَا بَذَلُوهُ مِنْ سَجَدَاتٍ، لَمْ يَدْخُلِ العُجْبُ قُلُوبَهُمْ، وَلَمْ يَرْكَنُوا إِلَى أَعْمَالِهِمْ، بَلْ بَقِيَ قَلْبُهُمْ مَعَلَّقاً بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، يَلْهَجُونَ بِهَذَا الدُّعَاءِ الخَاشِعِ:
{رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ}: فإِنَّ خَوْفَهُمْ لَيْسَ عَنْ يَأْسٍ، بَلْ هُوَ خَوْفُ الإِجْلَالِ، وَخَوْفُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الجَنَّةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللهِ، ففي الصحيحين: (أن رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ». قَالُوا وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لاَ، وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)
وتَأَمَّلُوا فِي تَعْلِيلِهِمْ لِهَذَا الدُّعَاءِ: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ}.. {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}: وَالغَرَامُ فِي لُغَةِ العَرَبِ: هُوَ المُلَازِمُ، الَّذِي لَا يُفَارِقُ صَاحِبَهُ أَبَداً، فَهُمْ يَخَافُونَ مِنْ عَذَابٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَأَلَمٍ لَا يَنْتَهِي، وَهَمٍّ لَا يَنْجَلِي، وهَذَا الِاسْتِحْضَارُ لِدَوَامِ العَذَابِ، جَعَلَهُمْ يَهْرُبُونَ إِلَى اللهِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ،
فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ مَنْ يَرَى جَهَنَّمَ بِيَقِينِ قَلْبِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَزْفِرُ مِنْ حَرِّهَا، فَتَكُونُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ سِيَاطاً تَسُوقُهُ إِلَى المِحْرَابِ، وَتَمْنَعُهُ عَنِ الارْتِيَابِ، ففي صحيح مسلم: (نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْىَ عَيْنٍ)
ومن الأحاديث النبوية في وصف النار: (عَنْ سَمُرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِه» (رواه مسلم). (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» (رواه البخاري). وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنة والنار» (رواه مسلم). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج يوم القيامة عنق من النار، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، تقول: إني وُكّلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين» (رواه الترمذي) وصحّحه الألباني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فسمعنا وجبة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر أرسل في جهنم منذ سبعين خريفًا» (رواه مسلم). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهون أهل النار عذابًا فقال: «إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه» (رواه البخاري). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب» (رواه مسلم).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَقَدْ وَصَفَ عِبَادُ الرَّحْمَنِ النَّارَ بِأَنَّهَا: {سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}: فَهِيَ بِئْسَ المَكَانُ لِلِاسْتِقْرَارِ الطَّوِيلِ، وَبِئْسَ المَوْضِعُ لِلإِقَامَةِ القَصِيرَةِ، فَلَا رَاحَةَ فِيهَا لِحَظْةٍ، وَلَا طُمَأْنِينَةَ لِغَمْضَةِ عَيْنٍ، واسْتِشْعَار هَؤُلَاءِ العِبَادِ لِفَظَاعَةِ هَذَا المَوْرِدِ، هُوَ الَّذِي رَقَّقَ قلوبهم، وَأَسَالَ دُمُوعَهُمْ،
يَقُولُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “إِنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَاناً وَخَوْفاً، وَإِنَّ المُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْناً”، فَعِبَادُ الرَّحْمَنِ أَحْسَنُوا العَمَلَ، وَمَعَ ذَلِكَ خَافُوا مِنَ الزَّلَلِ.
وإِنَّ “صَرْفَ العَذَابِ” الَّذِي يَسْأَلُهُ عِبَادُ الرَّحْمَنِ يَتَطَلَّبُ سَعْياً؛ فَهُمْ يَصْرِفُونَ أَبْصَارَهُمْ عَنِ الحَرَامِ، لِيَصْرِفَ اللهُ عَنْهُمْ النَّارَ، وَيَصْرِفُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي مَرْضَاةِ اللهِ، لِتَكُونَ لَهُمْ حِجَاباً مِنَ اللَّهَبِ، وفي الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» (رواه البخاري ومسلم). فَخَوْفُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ خَوْفٌ إِيجَابِيٌّ يَبْنِي، لَا خَوْفٌ سَلْبِيٌّ يُقْعِدُ، فهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَمَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ تِلْكَ الشَّهَوَاتِ، طَمَعاً فِي نَجَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ» (رواه الترمذي والنسائي).
فإِنَّ التَّوَازُنَ بَيْنَ “سُجَّدًا وَقِيَامًا” فِي اللَّيْلِ، وَبَيْنَ “رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ” هُوَ سِرُّ النَّجَاةِ.
ومن الملاحظ أننا في هذا الزمان قَدْ غَلَبَ عَلَيْنَا الأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وَكَأَنَّ الجَنَّةَ صَارَتْ مَضْمُونَةً لِكُلِّ مَنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَةِ، دُونَ عَمَلٍ أَوْ تَقْوَى، وهذا خلاف ما كان عليه السلف الصالح، فَقَدْ كَانَ أحد الصحابة يَقُولُ: “لَوْ نَادَى مُنَادٍ: كُلُّكُمْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا رَجُلاً وَاحِداً، لَخَشِيتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا”، هَذَا هُوَ حَالُ الكِبَارِ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ عَظَمَةَ الخَالِقِ تَسْتَوْجِبُ الحَذَرَ الدَّائِمَ.
فلِيَكُنْ لَكُمْ نَصِيبٌ مِنْ دُعَاءِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ فِي سُجُودِكُمْ، وَفِي خَلَوَاتِكُمْ، واسْتَجِيرُوا بِاللهِ مِنَ النَّارِ بِيَقِينٍ، وَابْتَعِدُوا عَنْ مَسَالِكِ الظُّلْمِ وَالفَوَاحِشِ وَالغَفْلَةِ؛ فَإِنَّ النَّارَ لَا تَحْرِقُ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ مَعْمُوراً بِخَشْيَةِ اللهِ، وتَذَكَّرُوا أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ هِيَ الفَوْزُ الحَقِيقِيُّ، قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185].
فاللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ. رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً. واجْعَلْنَا مِمَّنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ فَأَمَّنْتَهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عِبَادُ الرَّحْمَنِ.. مِنْ جَهَنَّمَ خَائِفُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ومازال حديثنا موصولا عن: (عِبَادُ الرَّحْمَنِ.. مِنْ جَهَنَّمَ خَائِفُونَ). فهم لَمْ يَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ، وَلَمْ يَدِلُّوا عَلَى رَبِّهِمْ بِطَاعَتِهِمْ، بَلْ كَانَ هَمُّهُمْ الأَوَّلُ الصَّرْفَ عَنِ النَّارِ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا}. فتَأَمَّلُوا فِي عُمْقِ هَذَا الخَوْفِ: إنه الخَوْفُ من الله مَعَ الإِحْسَانِ: فعِبَادُ الرَّحْمَنِ لَيْسُوا غَافِلِينَ وَلَا مُجْرِمِينَ، بَلْ هُمْ قَائِمُونَ سَاجِدُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ النَّارَ، وهَكَذَا المُؤْمِنُ: يَجْمَعُ بَيْنَ إِحْسَانِ العَمَلِ، وَمَخَافَةِ الحِسَابِ، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (60) المؤمنون
فالمؤمنون يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مُقَصِّرِينَ دَائِمًا، وَأَنَّ النَّجَاةَ هِيَ “رَحْمَةٌ” مَحْضَةٌ مِنَ اللهِ، ومَنْ خَافَ فِي الدُّنْيَا أَمَّنَهُ اللهُ فِي الآخِرَةِ، ففي الحديث القدسي كما في صحيح ابن حبان: (وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة)
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومَاذَا نَتَعَلَّمُ مِنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ فِي حَيَاتِنَا؟، أَوَّلًا: مَقَامُ الدُّعَاءِ: عِبَادُ الرَّحْمَنِ “يَقُولُونَ”؛ أَيْ أَنَّ أَلْسِنَتَهُمْ رَطْبَةٌ بِالدُّعَاءِ، فلَا تَغْتَرَّ بِطَاعَتِكَ، وَاجْعَلْ دُعَاءَ الصَّرْفِ عَنِ النَّارِ وِرْدًا لَكَ فِي سُجُودِكَ وَفِي أَسْحَارِكَ.
ثَانِيًا: تَرْبِيَةُ النَّفْسِ بِالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ: فلَا يَكْمُلُ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِمَا: خَوْفٌ يَزْجُرُكَ عَنِ المَعَاصِي ،وَرَجَاءٌ يَدْفَعُكَ إِلَى الطَّاعَاتِ، فعِبَادُ الرَّحْمَنِ سَجَدُوا (رَجَاءً)، وَدَعَوْا بِصَرْفِ العَذَابِ (خَوْفًا).
ثَالِثًا: اليَقِينُ بِالآخِرَةِ: فمَنْ دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ بِيَقِينٍ، واسْتَشْعَرَ خُطُورَةَ المَصِيرِ، هَانَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَصَغُرَتْ فِي عَيْنِهِ شَهَوَاتُهَا الفَانِيَةُ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. اسأل الله الحنة، واستجيروا بِاللهِ مِنَ النَّارِ، ففي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ»، فكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الدُّعَاءِ الصَّادِقِ، لِتَكُونُوا مِنْ عِبَادِ الرَّحْمَنِ الآمِنِينَ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ. فاللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ، إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.
الدعاء
