خطبة عن (لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)
فبراير 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَمْوَاتٌ لَا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام مسلم في صحيحه: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَلاَ أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلاَّ الشَّهِيدُ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ».
إخوة الإسلام
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185]. وَفي الحديث المتقدم: «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ؛ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ»،
فمن الملاحظ أنَّ النَّاسَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا يَتَهَالِكُونَ عَلَى عُمْرَانِهَا، وَيَتَمَسَّكُونَ بِبَقَائِهَا، وَيَظُنُّونَ أَنَّ الخُرُوجَ مِنْهَا هُوَ الشَّقَاءُ الأَكْبَرُ، ولَكِنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا القرآن الكريم، وقول الصَّادِق المَصْدُوق صلى الله عليه وسلم تَكْشِفُ لَنَا عَنِ المَنْظُورِ الحَقِيقِيِّ لِمَنْ غَادَرُوا هَذِهِ الدَّارَ،
فهُنَاكَ “أَمْوَاتٌ” لَا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا، بَلْ وَلَا يَوَدُّونَ العَوْدَةَ إِلَيْهَا، وَلَوْ حِيزَتْ لَهُمْ بِحَذَافِيرِهَا، وهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ ذَاقُوا حَلَاوَةَ النَّعِيمِ، وَرَأَوْا مَا أَعَدَّهُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الكَرَامَةِ، فَأَصْبَحَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ -بَعْدَ مَوْتِهِمْ- لَا تُسَاوِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، ففي مسند أحمد: في حديث طويل: (… قَالَ صلى الله عليه وسلم: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولاَنَ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ. فَيَقُولاَنِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الإِسْلاَمُ. فَيَقُولاَنِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ. فَيَقُولاَنِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ. فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى الْجَنَّةِ – قَالَ – فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ – قَالَ – وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ. فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي).
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِ الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ”، فهَذِهِ النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ، حِينَ تَنْسَلِخُ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الآخِرَةِ، تَرَى الفَرْقَ الشَّاسِعَ بَيْنَ دَارِ الكَدَرِ وَدَارِ الصَّفَاءِ، فَمَا أَنْ يُعَايِنَ المُؤْمِنُ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَشُمَّ رِيحَهَا، وَيَرَى مَا فِيهَا مِنَ القُصُورِ وَالحُورِ، حَتَّى يَنْسَى كُلَّ لَذَّةٍ نَالَهَا فِي الدُّنْيَا، وَكُلَّ حَبِيبٍ فَارَقَهُ فِيهَا، وعَدَم رَغْبَتِهِمْ فِي الرُّجُوعِ، هُوَ أَعْظَمُ شَاهِدٍ عَلَى هَوَانِ الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا مَهْمَا زُيِّنَتْ، فَهِيَ سِجْنٌ لِلْمُؤْمِنِ كَمَا وَصَفَهَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم.
فالقرآن والحديث يُرْشِدُنَا إِلَى أَنَّ الحَيَاةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ مَا عِنْدَ اللهِ، قال تعالى: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (64) العنكبوت، فالمَوْت لَيْسَ نِهَايَةً بَلْ هُوَ بِدَايَةُ النَّعِيمِ لِلْمُتَّقِينَ، فَإِذَا كَانَ المَيِّتُ الَّذِي لَهُ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ لَا يَسُرُّهُ أَنْ يَمْلِكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مُقَابِلَ العَوْدَةِ، فَلِمَ نَتَقَاتَلُ نَحْنُ عَلَى مَتَاعِهَا الزَّائِلِ؟، وَلِمَ نَحْزَنُ حَزَناً يَقْطَعُ القُلُوبَ عَلَى مَنْ فَارَقَهَا مِنَ الصَّالِحِينَ؟، إِنَّهُمْ الآنَ فِي ضِيَافَةِ الكَرِيمِ، حَيْثُ لَا صَخَبَ وَلَا نَصَبَ، وَلَا هَمَّ وَلَا وَصَبَ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صِنْفاً وَاحِداً يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ، وَلَيْسَ رُجُوعُهُ لِأَجْلِ أَمْوَالٍ أَوْ بَنِينَ، بَلْ لِيُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ مَرَّةً أُخْرَى؛ إِنَّهُ “الشَّهِيدُ”. وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَعْنِي أَنَّ الشَّهِيدَ يُحِبُّ الدُّنْيَا، بَلْ يَعْنِي أَنَّ لَذَّةَ القَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا يَرَاهُ مِنْ كَرَامَةِ الشَّهَادَةِ، جَعَلَتْهُ يَشْتَاقُ لِتَكْرَارِ هَذِهِ التَّضْحِيَةِ، فَإِذَا كَانَ أَعْظَمُ أَهْلِ النَّعِيمِ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا إِلَّا لِيَمُوتَ فِيهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَمَا قِيمَةُ العَيْشِ فِيهَا لِأَجْلِ غَيْرِ اللهِ؟، وفي قصة هذا الشهيد خير دليل:
ففي سنن الترمذي: (أن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ لِي «يَا جَابِرُ مَا لِى أَرَاكَ مُنْكَسِرًا». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا. قَالَ «أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِىَ اللَّهُ بِهِ أَبَاك». قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ «مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يُرْجَعُونَ». قَالَ وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الآيَةَ.،
وعن مسروقٍ قال: سألنا عبدالله عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:169]، قال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك، فقال: (أرواحُهم في جوف طيرٍ خُضرٍ، لها قناديلُ مُعلَّقة بالعرش، تسرحُ من الجنَّة حيثُ شاءت، ثُمَّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربُّهم اطِّلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي ونحن نسرحُ من الجنَّة حيثُ شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرَّاتٍ، فلمَّا رأوا أنَّهم لن يُتركوا من أن يُسألُوا، قالوا: يا رب، نريدُ أن ترُدَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرَّةً أُخرى، فلمَّا رأى أن لَيس لهم حاجة تُرِكوا) السلسلة الصحيحة.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام:32]. وَفي الحديث :(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟… وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ» (رواه مسلم).
إِنَّ أَمْوَاتَنَا الصَّالِحِينَ اليَوْمَ لَا يَوَدُّونَ الرُّجُوعَ إِلَى ضَوْضَاءِ حَيَاتِنَا وَمَشَاكِلِهَا، فَلْنَسْأَلِ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ مَصِيرَنَا كَمَصِيرِهِمْ، فَنَجِدَ عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ مَا يُغْنِينَا عَنْ حُطَامِ هَذِهِ الفَانِيَةِ.
وَنَحْنُ نَرَى النَّاسَ يَتَزَاحَمُونَ عَلَى المَنَاصِبِ وَالمَكَاسِبِ، لِنَتَذَكَّرْ حَالَ مَنْ سَبَقُونَا؛ كَمْ مَلَكُوا؟، وَكَمْ جَمَعُوا؟، وَهَلْ تَمَنَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ الرُّجُوعَ لِيُكْمِلَ قَصْراً، أَوْ يَزِيدَ مَالاً؟، كَلَّا، لَقَدْ انْكَشَفَ الغِطَاءُ، وَصَارَ البَصَرُ حَدِيداً، وَعَرَفُوا أَنَّ الرَّبِحَ الحَقِيقِيَّ هُوَ مَا قُدِّمَ للهِ.
فلِنَسْتَعِدَّ لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي نُصْبِحُ فِيهَا مِنْ “أَهْلِ الآخِرَةِ”، لِنَكُونَ مِمَّنْ لَا يُسَرُّهُ الرُّجُوعُ إِلَى الدُّنْيَا، لِعِظَمِ مَا وَجَدَ مِنْ بَرْدِ العَفْوِ، وَكَرَامَةِ القَبُولِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (أَمْوَاتٌ لَا يُحِبُّونَ الدُّنْيَا)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّنَا -نَحْنُ الأَحْيَاءَ- نَتَشَبَّثُ بِالدُّنْيَا بِكُلِّ قُوَّتِنَا، وَنَحْزَنُ لِفِرَاقِ مَنْ نُحِبُّ، وَرُبَّمَا تَمَنَّيْنَا لَوْ عَادُوا إِلَيْنَا لَحْظَةً، ولَكِنَّ الحَقِيقَةَ النَّبَوِيَّةَ الصَّادِمَةَ لِأَهْوَائِنَا تَقُولُ: إِنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، لَا يَتَمَنَّى العَوْدَةَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا بَتَاتاً، وَلَوْ أُعْطِيَ مَلَاذَّهَا كُلَّهَا.
فمَا الَّذِي جَعَلَ هَؤُلَاءِ الأَمْوَاتَ يَزْهَدُونَ فِي دُنْيَانَا بَعْدَ مُغَادَرَتِهَا؟، إنها رُؤْيَةُ الحَقِيقَةِ، ففِي الدُّنْيَا، نَحْنُ نَعِيشُ فِي حِجَابٍ، أَمَّا عِنْدَ المَوْتِ: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} ق:22، فمَنْ رَأَى رَوْحًا وَرَيْحَانًا، وَجَنَّةَ نَعِيمٍ، كَيْفَ يَرْضَى بِالعَوْدَةِ إِلَى دَارِ الكَدَرِ وَالنَّصَبِ؟، وكَيْفَ يَعُودُ لِلْهُمُومِ وَالأَسْقَامِ مَنْ طَهُرَ مِنْهَا؟،
ومن أسباب عدم الرغبة في عودتهم إلى الحياة الدنيا: حَقَارَةُ الدُّنْيَا فِي مِيزَانِ الآخِرَةِ: فيَقُولُ ﷺ: «وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». وهَذَا يَعْنِي أَنَّ سَاعَةً وَاحِدَةً فِي رِضْوَانِ اللهِ بَعْدَ المَوْتِ تَعْدِلُ مُلْكَ القَيَاصِرَةِ وَالأَكَاسِرَةِ مِنْ أَوَّلِ الدُّنْيَا إِلَى آخِرِهَا.
فيا أيها المَحْزُونونَ عَلَى مَوْتَاهُمْ؛ لا تحزنوا على الصالحين ممن فارقونا، فمَنْ كَانَ صَالِحاً فَهُوَ فِي عُرْسٍ لَا يَنْقَضِي، وَاعلموا أَنَّ رَحْمَتَنَا بِهِمْ، وَبُكَاءَنَا عَلَيْهِمْ، نَابِعٌ مِنْ جَهْلِنَا بِمَا وَجَدُوهُ مِنَ الكَرَامَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا كَانَ الأَمْوَاتُ الَّذِينَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَزْهَدُونَ فِيهَا، فَلِمَاذَا نَتَقَاتَلُ نَحْنُ عَلَيْهَا؟، ولِمَاذَا نَظْلِمُ وَنَخُونُ مِنْ أَجْلِ لُعَاعَةٍ لَا تُسَاوِي عِنْدَ المَيِّتِ شَيْئًا؟،
واعلموا أن الشَّهَادَة لَيْسَتْ مَوْتًا، بَلْ هِيَ “حَيَاةٌ مُضَاعَفَةٌ”، فمَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، فالشَّهِيدُ هُوَ الوَحِيدُ الَّذِي عَرَفَ قِيمَةَ بَذْلِ الرُّوحِ لِلَّهِ، فَرَأَى نَعِيماً لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ». فالسُّؤَالُ لِي وَلَكَ: هَلْ أَعْدَدْنَا هَذَا “الخَيْرَ” الَّذِي سَيَجْعَلُنَا نَزْهَدُ فِي العَوْدَةِ؟، فالصَّلَاةُ، والصَّدَقَةُ، وحُسْنُ الخُلُقِ.. وغيرها من الأعمال الصالحات والتي هِيَ رَصِيدُكَ الَّذِي سَيَجْعَلُ قَبْرَكَ رَوْضَةً تَكْرَهُ بَعْدَهَا ضِيقَ الدُّنْيَا.
واعلموا أن المَوْت لَيْسَ فَنَاءً، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ دَارِ الضِّيقِ إِلَى دَارِ السَّعَةِ لِمَنْ آمَنَ، فَاعْمَلُوا لِيَوْمٍ تَرَوْنَ فِيهِ مَا يَسُرُّكُمْ، وَتَكُونُونَ فِيهِ مِمَّنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} آل عمران (169): (172)
فاللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ، وَاحْشُرْنَا مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ. واجْعَلْ مَا نَلْقَاهُ بَعْدَ المَوْتِ خَيْراً مِمَّا تَرَكْنَاهُ فِي الدُّنْيَا.
الدعاء
