خطبة عن (صِيَامُ الْجَوَارِحِ لَا صِيَامُ الْبُطُونِ)
مارس 2, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ.. بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْعِبَادَةِ وَحُقُوقِ الْأَهْلِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾ [الإسراء:29]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:77]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ سَلْمَانَ قَالَ لَهُ: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ» [صحيح البخاري].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُبَارَكَ هو مَوْسِمٌ لِلطَّاعَاتِ، وَلَكِنَّهُ أَيْضاً مَيْدَانٌ لِتَطْبِيقِ “فِقْهِ الْأَوْلَوِيَّاتِ”، وَالتَّوَازُنِ بَيْنَ الحقوق والْوَاجِبَاتِ، وبَيْنَ (الْعَمَلِ وَالْعِبَادَةِ، وَحُقُوقِ الْأَهْلِ)، فَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ: هُوَ الَّذِي لَا يَبْنِي طَاعَةً عَلَى هَدْمِ فَرِيضَةٍ، وَلَا يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِنَافِلَةٍ، وَهُوَ يُضَيِّعُ مَسْؤُولِيَّةً، فبَعْض النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ رَمَضَانَ يَعْنِي التَّفَرُّغَ التَّامَّ لِلْمَسْجِدِ، مَعَ إِهْمَالِ الْعَمَلِ، أَوْ تَقْصِيرٍ فِي حُقُوقِ الْأَهْلِ، وَهَذَا فَهْمٌ مَنْقُوصٌ؛ فَالتَّوَازُنُ هُوَ لُبُّ هَذَا الدِّينِ، وَإِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ هُوَ جَوْهَرُ التَّقْوَى، الَّتِي نَنْشُدُهَا فِي هَذَا الشَّهْرِ، «فإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ»..
(فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ): ولنبدأ بأَوَّل هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّاتِ: “الْعَمَلُ وَالْكَسْبُ”؛ فَالْعَمَلُ فِي رَمَضَانَ لَيْسَ عَائِقاً عَنِ الْعِبَادَةِ، بَلْ هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ “عِبَادَةٌ” إِذَا صَحَّتِ النِّيَّةُ، فالْمُوَظَّف الَّذِي يَتَهَاوَنُ فِي أَدَاءِ وَظِيفَتِهِ، بِحُجَّةِ التَّعَبِ مِنَ الصِّيَامِ، أَوِ التَّاجِر الَّذِي يَغُشُّ، بَدَعْوَى ضِيقِ الْوَقْتِ، هؤلاء لَمْ يَفْهَمُوا رُوحَ رَمَضَانَ، فَقَدْ كَانَتِ الِانْتِصَارَاتُ الْكُبْرَى فِي التَّارِيخِ تَقَعُ وَالصَّحَابَةُ صِيَامٌ، فَلَا يَجُوزُ شَرْعاً أَنْ نَجْعَلَ الصَّوْمَ شَمَّاعَةً لِلْكَسَلِ؛ بَلِ الْأَوْلَوِيَّةُ لِإِتْقَانِ الْعَمَلِ، لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ، وَاللَّهُ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ،
وثَانِي هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّاتِ: “حُقُوقُ الْأَهْلِ وَالْأُسْرَةِ”؛ فَالرَّجُلُ الَّذِي يَقْضِي لَيْلَهُ كُلَّهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَنَامُ نَهَارَهُ كُلَّهُ صائما، تَارِكاً أَهْلَهُ بِلَا رِعَايَةٍ أَوْ تَوْجِيهٍ، وتاركا حقوق زوجته، فقَدْ خَالَفَ بذلك هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ، ففي صحيح البخاري: (أن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ – رضي الله عنه – يَقُولُ جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
(فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ): وشهر رَمَضَان فُرْصَة لِـ “التَّرْبِيَةِ الْأُسْرِيَّةِ”؛ بأَنْ تَجْلِسَ مَعَ أَبْنَائِكَ، وأَنْ تُعَلِّمَهُمْ الواجبات، والسنن، والآداب، ومَعَانِيَ الصَّبْرِ، وأَنْ تُشَارِكَهُمْ مَائِدَةَ الْإِفْطَارِ بِمَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ،
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا؛ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَمُّهَا الْوَحِيدُ إِعْدَادَ مَوَائِدِ الطَّعَامِ بِبَذَخٍ، فيُضَيِّعُ عَلَيْهَا وَقْتَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، فالتَّوَازُنُ هُنَا يَعْنِي الِاعْتِدَالَ فِي الطَّعَامِ، لِتَوْفِيرِ الْوَقْتِ لِلرُّوحِ.
وهذا لا يمنع المسلم أن يعتكف في شهر رمضان، إذا لم يعطل مصالحه، أو مصالح البلد الذي يقيم فيه، ولم يترتب على ذلك مضرة للآخرين، وقد سئل الشيخ (ابن عثيمين)، رحمه الله: ما حكم من اعتكف وترك الوظيفة والعمل؟، فأجاب: (لا شك أن هذا الذي اعتكف، وترك ما يجب عليه، من البقاء في الوظيفة، لا شك أنه مجتهد، ولكن الاجتهاد إذا لم يكن مبنيا على قواعد شرعية، فإنه اجتهاد خاطئ، قد يثاب الانسان عليه، لكونه اجتهد وأراد الحق، ولكن يجب أن يكون اجتهادنا مبنيا على الكتاب والسنة، فالذي ترك واجب الوظيفة، وجاء يعتكف، كالذي يهدم مصرا، ويبني قصرا، لأنه قام بشيء مستحب، ولم يقل أحد بوجوبه من المسلمين، فإن العلماء مجمعون على أن الاعتكاف لا يجب، إنما هو سنة،
وأما القيام بواجب الوظيفة، فإنه داخل في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» (المائدة:1). وفي قوله: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا» (لإسراء:34)، فهذا الرجل ترك واجبا لفعل مستحب. ولهذا يجب عليه أن يقطع الاعتكاف، ويذهب إلى وظيفته، إذا كان يريد السلامة من الإثم. فإن بقي في اعتكافه، فإنه قد اعتكف في زمن مستحق لغيره، وقواعد الفقهاء أن اعتكافه لا يصح في هذه الحال، لأنه في زمن مغصوب، او يشبه المغصوب).
(فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ): ونَحْنُ فِي هذا الزمن، بِمَا فِيهِ مِنْ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ، نَحْتَاجُ إِلَى “ذَكَاءِ الْعِبَادَةِ”؛ فَلَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِالْكَثْرَةِ، مَعَ التَّقْصِيرِ فِي الْوَاجِبَاتِ، بَلْ بِالْكَيْفِ، وَالْإِخْلَاصِ، فرَبّ رَمَضَانَ يَتَعَبَّدُنَا بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فِي رَمَضَانَ، كَمَا يَتَعَبَّدُنَا بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَالِدٌ مَرِيضٌ، فَخِدْمَتُهُ أَوْلَى مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ، هَذَا هُوَ فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ؛ أَنْ تَعْرِفَ مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْكَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِعَيْنِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يقول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:6]. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» [صحيح البخاري].
فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا التَّوْجِيهِ النَّبَوِيِّ؛ فَالْمُغَالَاةُ فِي التَّطَوُّعِ، مَعَ إِهْمَالِ حَقِّ الْبَدَنِ، أَوِ الْأَهْلِ، أو حقوق الآخرين، مَرْفُوضَةٌ فِي شَرْعِنَا، فرَمَضَانُ لَيْسَ شَهْرَ الِانْقِطَاعِ عَنِ الْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ شَهْرُ تَنْظِيمِ الْحَيَاةِ، فاجْعَلُوا لِصَلَاتِكُمْ وَقْتًا، وَلِعَمَلِكُمْ إِتْقَانًا، وَلِأَهْلِكُمْ أُنْسًا، فإِنَّ الْمُسْلِمَ الْمُتَوَازِنَ هُوَ أَكْثَرُ النَّاسِ نَفْعًا لنفسه، ولأهله، ولِلْمُجْتَمَعِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمَغْرِبُ، فَلْتَكُنْ مَعَ أَهْلِكَ بَشُوشًا، وَإِذَا حَانَ وَقْتُ الْعَمَلِ فِي الصَّبَاحِ، فَلْتَكُنْ نَشِيطًا مُنْتِجًا، وَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ، فَلْتَكُنْ خَاشِعًا مُتَبَتِّلًا.
(فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ): فإِنَّ الْخُطُورَةَ تَكْمُنُ فِي نَقْضِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَسْهَرَ فِي “قِيَامِ اللَّيْلِ”، ثُمَّ نُضَيِّعَ “صَلَاةَ الْفَجْرِ”، أَوْ نَتَأَخَّرَ عَنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، فالْأَوْلَوِيَّةُ لِلْفَرِيضَةِ دَائِمًا،
وَمِنَ الْأَوْلَوِيَّاتِ أَيْضًا: كَفُّ الْأَذَى: فَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَابِدًا فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ سَيِّئُ الْخُلُقِ مَعَ النَّاسِ فِي الشَّارِعِ، بِسَبَبِ “عَصَبِيَّةِ الصِّيَامِ”، فالصَّوْمُ تَهْذِيبٌ لَا تَعْذِيبٌ، وَسَمَاحَةٌ لَا سَمَاجَةٌ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا الْبَصِيرَةَ فِي دِينِنَا، وَالتَّوْفِيقَ لِأَدَاءِ الْحُقُوقِ لِأَصْحَابِهَا، فاللَّهُمَّ اجْعَلْ صِيَامَنَا عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَخِدْمَةِ خَلْقِكَ، وَارْزُقْنَا التَّوَازُنَ بَيْنَ دِينِنَا وَدُنْيَانَا.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فِقْهُ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ.. بَيْنَ الْعَمَلِ وَالْعِبَادَةِ وَحُقُوقِ الْأَهْلِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
مازال حديثنا موصولا عن: (فِقْهُ الأَوْلَوِيَّاتِ فِي رَمَضَانَ.. وَالتَّوَازُنُ بَيْنَ العَمَلِ وَالعِبَادَةِ وَحُقُوقِ الأَهْلِ). فكما بينت لكم: فإِنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْراً لِلِانْقِطَاعِ التَّامِّ عَنِ الحَيَاةِ، وَلَيْسَ أَيْضاً شَهْراً لِلْغَرَقِ فِي مَادِّيَّاتِ الدُّنْيَا وَتَضْيِيعِ العِبَادَةِ، إِنَّهُ اخْتِبَارٌ لِقُدْرَتِكَ عَلَى ضَبْطِ مِيزَانِكَ؛ ففِقْهَ السَّلَفِ عَلَّمَنَا أَنَّ “فَرْضَ الوَقْتِ” مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِلَةِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَهِيَ الأَوْلَوِيَّةُ، وَإِذَا جَاءَ وَقْتُ العَمَلِ، فَإِنَّ إِتْقَانَهُ عِبَادَةٌ، ولَا يَصِحُّ أَنْ يَقْضِيَ المُسْلِمُ لَيْلَهُ فِي القِيَامِ، ثُمَّ يَأْتِيَ عَمَلَهُ نَهَاراً، فَيَنَامَ عَنْ مَصَالِحِ النَّاسِ!، فهَذَا خَلَلٌ فِي المِيزَانِ، فَالقِيَامُ نَافِلَةٌ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ فِي الوَظِيفَةِ فَرِيضَةٌ، وَلَا تُقَدَّمُ النَّافِلَةُ عَلَى الفَرِيضَةِ.
والسؤال: كَيْفَ نُطَبِّقُ هَذَا التَّوَازُنَ عَمَلِيًّا؟، والجواب: بِالتَّنْظِيمِ: فاجْعَلْ لِكُلِّ سَاعَةٍ وَظِيفَةً، فسَاعَةٌ لِلقُرْآنِ، وَسَاعَاتٌ لِلْعَمَلِ، وَسَاعَةٌ لِلْجُلُوسِ مَعَ الأَبْنَاءِ، لِمُدَارَسَةِ خُلُقٍ، أَوْ قِصَّةٍ.
ونُطَبِّقُ التَّوَازُنَ عَمَلِيًّا: بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ: فحِينَ تَنْطَلِقُ إِلَى وَظِيفَتِكَ، انْوِ بِهَا صِيَانَةَ وَجْهِكَ عَنِ المَسْأَلَةِ، وَخِدْمَةَ المُسْلِمِينَ، فَتَتَحَوَّلُ كُلُّ سَاعَاتِ العَمَلِ إِلَى “رَصِيدِ حَسَنَاتٍ” فِي صَحِيفَةِ رَمَضَانَ.
ونُطَبِّقُ التَّوَازُنَ عَمَلِيًّا: بِالِاعْتِدَالِ: فلَا تُسْرِفْ فِي النَّوْمِ نَهَاراً، وَلَا تُسْرِفْ فِي السَّهَرِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ لَيْلًا، فَيَضِيعُ التَّوَازُنُ.
عِبَادَ اللهِ.. إِنَّ المُؤْمِنَ القَوِيَّ هُوَ الَّذِي يَعْمُرُ دُنْيَاهُ بِدِينِهِ، وَلَا يَجْعَلُ عِبَادَتَهُ حُجَّةً لِلفَشَلِ فِي حَيَاتِهِ، فكُونُوا نَمَاذِجَ مُشَرِّفَةً لِلإِسْلَامِ، فِي مَكَاتِبِكُمْ، وَمَصَانِعِكُمْ، وَبُيُوتِكُمْ، لِيُقَالَ: هَكَذَا رَبَّاهُمْ رَمَضَانُ.
فاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا فِقْهَ الأَوْلَوِيَّاتِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا وَأَعْمَالِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا بَارِّينَ بِأَهْلِنَا، مُخْلِصِينَ فِي أَعْمَالِنَا، قَانِتِينَ فِي مَحَارِيبِنَا. اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا الصِّيَامَ وَالقِيَامَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ العُتَقَاءِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
الدعاء
