خطبة عن (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟؟)
فبراير 7, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (عِبَادُ الرَّحْمَنِ.. مُتَوَاضِعُونَ سَاجِدُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (63)، (64) الفرقان. وَفي الحديث: (عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (رواه مسلم).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ شَرَفَ العُبُودِيَّةِ هُوَ أَعْظَمُ مَقَامٍ يَرْتَقِي إِلَيْهِ بَشَرٌ، وَلَمَّا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَمْدَحَ صَفْوَةَ خَلْقِهِ، نَسَبَهُمْ إِلَى اسْمِهِ (الرَّحْمَنِ)، فَقَالَ تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ}، فهَؤُلَاءِ القَوْمُ لَهُمْ سِمَاتٌ مَيَّزَتْهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَبِدَايَةُ هَذِهِ السِّمَاتِ تَظْهَرُ فِي طَرِيقَةِ عَيْشِهِمْ بَيْنَ النَّاسِ؛
فَهُمْ: {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}: وَالْمَشْيُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ الأَقْدَامِ، بَلْ هُوَ عُنْوَانٌ لِلسَّكِينَةِ، وَالوَقَارِ، الَّذِي يَمْلأُ قُلُوبَهُمْ، ف(عِبَادُ الرَّحْمَنِ): يَمْشُونَ بِتَوَاضُعٍ بِلَا كِبْرٍ، وَبِلِينٍ بِلَا ضَعْفٍ، ولَا يَضْرِبُونَ بِأَقْدَامِهِمْ الأرض خُيَلَاءَ، وَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الخَلْقِ بِاحْتِقَارٍ، فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ الَّذِي كَسَرَتْ عَظَمَةُ الخَالِقِ فِي نَفْسِهِ غُرُورَ المَخْلُوقِ.
وقوله تَعَالَى: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}: “فالهَوْنُ” لَيْسَ تَمَارُضًا وَلَا ضَعْفًا، بَلْ هُوَ الوَقَارُ وَالسَّكِينَةُ، ولَا يَمْشُونَ بِخُيَلَاءَ، بَلْ نُفُوسُهُمْ مُخْبِتَةٌ لِلَّهِ، فَعَكَسَ ذَلِكَ أَدَبًا عَلَى أَبْدَانِهِمْ،
أما الصِّفَة الثَّانِيَة لِعِبَادِ الرَّحْمَنِ فهِيَ: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامً) وهي تعني: “الحِلْمُ عِنْدَ الجَهْلِ”؛ فهم حِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلأَذَى القَوْلِيِّ، أَوْ يُوَاجَهُونَ بِالسَّفَاهَةِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، لَا يَنْحَدِرُونَ إِلَى مُسْتَوَى الجَاهِلِ، بَلْ يَتَرَفَّعُونَ بِأَقْوَالٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الإِثْمِ، طَيِّبَةٍ فِي المَعْنَى.
و “سَلَاماً” لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ فِي التَّغَافُلِ، وَدَفْعِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ، وهِيَ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ تُغْلِقُ بَابَ الشَّرِّ، وَسَلَامَةٌ فِي الصَّدْرِ تَمْنَعُ الِانْتِقَامَ لِلنَّفْسِ، وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» (رواه مسلم).
فمَنْ رَأَيْتُمُوهُ مُتَوَاضِعاً حَلِيماً مَعَ الخَلْقِ فِي نَهَارِهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ لَهُ سِرّاً مَعَ الخَالِقِ فِي لَيْلِهِ، وَهَذِهِ هِيَ الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ (لعِبَاد الرَّحْمَنِ): أنهم {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}: فحِينَ يَنَامُ النَّاسُ، وَتَهْدَأُ العُيُونُ، تَبْدَأُ “خَلْوَةُ المُحِبِّينَ”، فعِبَادُ الرَّحْمَنِ لَا يَنْسَوْنَ مَنْ صَنَعَهُمْ وَهَدَاهُمْ حِينَ تَنَامُ العُيُونُ، بل يَقْضُونَ لَيْلَهُمْ بَيْنَ سُجُودٍ (يَعْنِي الخُضُوعَ)، وَقِيَامٍ (يَعْنِي القُنُوتَ)،
وتدبروا: فلَمْ يَقُلِ اللهُ “يَقْضُونَ اللَّيْلَ”، بَلْ قَالَ “يَبِيتُونَ”: أَيْ أَنَّ هَذَا حَالُهُمْ الدَّائِمُ فِي بَيَاتِهِمْ، إِنَّهُمْ يُجَافُونَ جُنُوبَهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ خَوْفاً وَطَمَعاً، لِأَنَّ لَذَّةَ المُنَاجَاةِ عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ لَذَّةِ الرُّقَادِ، كما قال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (16) السجدة،
وأيضا: هم {يَبِيتُونَ}؛ أَيْ أَنَّ مَبِيتَهُمْ وَلَيْلَهُمْ مَقْسُومٌ بَيْنَ طُولِ القِيَامِ وَصِدْقِ السُّجُودِ.
فتَأَمَّلُوا هَذَا التَّوَازُنَ العَجِيبَ فِي شَخْصِيَّةِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: (سَكِينَةٌ فِي المَشْيِ، وَحِلْمٌ فِي القَوْلِ، وَدَوَامٌ عَلَى العِبَادَةِ فِي السِّرِّ)، وهَذَا هُوَ الجَوْهَرُ الَّذِي يَصْنَعُهُ الإِيمَانُ، فَالَّذِي يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوِيلاً فِي اللَّيْلِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى عِبَادِ اللهِ فِي النَّهَارِ، وَالَّذِي يَقُومُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الحَقِّ، يَسْتَصْغِرُ نَفْسَهُ أَمَامَ جَلَالِهِ، فَالتَّوَاضُعُ لِلْخَلْقِ ثَمَرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لِلذُّلِّ بَيْنَ يَدَيِ الخَالِقِ، وهَكَذَا هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ، نُورٌ فِي اللَّيْلِ، وَرَحْمَةٌ فِي النَّهَارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَفي الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ.. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ» (رواه الحاكم وصححه الألباني). فرَكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، كَفِيلَتَانِ بِغَسْلِ هُمُومِ النَّهَارِ، وَتَثْبِيتِ القَلْبِ عَلَى الحَقِّ، وعِبَادُ الرَّحْمَنِ لَمْ يَصِلُوا إِلَى هَذِهِ المَنْزِلَةِ بِالتَّمَنِّي، بَلْ بِمُجَافَاةِ النَّوْمِ وَلُزُومِ السُّجُودِ، فَاجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ نَصِيباً مِنْ هَذَا الفَضْلِ، وَلَوْ بِرَكَعَاتٍ قَلِيلَةٍ، تُسَجَّلُونَ بِهَا فِي دِيوَانِ القَانِتِينَ.
ونحن الآن وفِي زَمَانِنَا هَذَا، حَيْثُ طَغَتِ المَادِيَّاتُ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الفَخْرِ وَالمُبَاهَاةِ، فنَحْنُ أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ، فمَا أَحْوَجَنَا إِلَى ذَلِكَ التَّوَاضُعِ الَّذِي يَجْمَعُ الكَلِمَةَ، وَإِلَى ذَلِكَ الحِلْمِ الَّذِي يَئِدُ الفِتَنَ فِي مَهْدِهَا،
فابْدَؤُوا بِأَنْفُسِكُمْ؛ ولِيَكُنْ مَشْيُكُمْ هَوْناً، وَرَدُّكُمْ سَلَاماً، ولَا تَنْتَصِرُوا لِأَنْفُسِكُمْ فِي مَوَاقِفِ السَّفَاهَةِ، بَلِ انْتَصِرُوا لِقِيَمِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ. ولِنَكُنْ عِبَاداً لِلرَّحْمَنِ بِحَقٍّ، يَرَانَا النَّاسُ فَيُبْصِرُونَ فِي سِمَاتِنَا جَمَالَ الإِسْلَامِ،
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ عباد الرَّحْمَنِ، (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً، وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، وأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْنَا لَكَ سُجَّداً وَقِيَاماً، وَاعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا مِنَ النَّارِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (عِبَادُ الرَّحْمَنِ.. مُتَوَاضِعُونَ سَاجِدُونَ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ومازال حديثنا موصولا عن صفات: (عِبَادُ الرَّحْمَنِ)، فهم “صَفْوَةِ الخَلْقِ” الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِنَفْسِهِ، وَشَرَّفَهُمْ بِإِضَافَتِهِمْ إِلَى اسْمِهِ، فَمَا سَمَّاهُمْ عِبَادَ الجَبَّارِ، وَلَا عِبَادَ القَهَّارِ، بَلْ سَمَّاهُمْ (عِبَاد الرَّحْمَنِ) لِيُبَيِّنَ أَنَّ صِفَاتِهِمْ تَنْبُعُ مِنْ رَحْمَةٍ وَرِقَّةٍ وَسُمُوٍّ.
وكان من صفاتهم أنهم: (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (63)، (64) الفرقان، فهم مع الخلق (مُتَوَاضِعُونَ) وفي الليل لله (سَاجِدُونَ)، وإِنَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ هُمَا مِفْتَاحُ الشَّخْصِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ الرَّصِينَةِ: فالتَّوَاضُعُ (هَوْنًا): هُوَ دَوَاءُ مَرَضِ “الأَنَا”، فالعَبْدُ المؤمن يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ، فَلَا يَتَعَالَى بِعِلْمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ. والحِلْمُ (قَالُوا سَلَامًا): هُوَ دَوَاءُ “الغَضَبِ”: فعِبَادُ الرَّحْمَنِ مِلْكِيَّتُهُمْ لِأَعْصَابِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ.
أما قِيَامُ اللَّيْلِ (سُجَّدًا وَقِيَامًا): فهُوَ الزَّادُ لِمُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ، فمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُورٌ فِي وَجْهِهِ، وَسَدَادٌ فِي رَأْيِهِ، فَلْيَجْعَلْ لَهُ نَصِيبًا مِنْ مَبِيتِ السَّاجِدِينَ.
فيَا عِبَادَ اللهِ.. هَذِهِ أَوَّلُ خُطُوَاتِ الرِّحْلَةِ، لِنَكُونَ مِنْ “عِبَادِ الرَّحْمَنِ”، فَلْنَنْظُرْ فِي مِشْيَتِنَا، وَلْنُرَاقِبْ أَلْسِنَتَنَا، حِينَ نُخَاطَبُ بِالجَهْلِ، وَلْنَتَفَقَّدْ فُرُشَنَا فِي دَيَاجِي اللَّيْلِ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ ارْتَضَيْتَهُمْ لِنَفْسِكَ. وارْزُقْنَا تَوَاضُعَ المُخْبِتِينَ، وَحِلْمَ الصَّابِرِينَ، وَنُورَ القَائِمِينَ السَّاجِدِينَ. وانْصُرْنا وإِخْوَانَنَا المستضعفين، وَارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ.
الدعاء
