خطبة عن (رَمَضَانُ شَهْرُ الِانْتِصَارَاتِ)
مارس 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (صِيَامُ الْجَوَارِحِ لَا صِيَامُ الْبُطُونِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [سنن ابن ماجه].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ لِلصِّيَامِ حَقِيقَةً وَصُورَةً؛ فَصُورَتُهُ: الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وجماع، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ: فَهِيَ كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنِ الْمُخَالَفَاتِ وَالْآثَامِ، فاللَّه تَعَالَى لَمْ يَفْتَرِضْ عَلَيْنَا الصِّيَامَ لِيُعَذِّبَنَا بِالْجُوعِ، وَلَا لِيُضْنِيَ أَبْدَانَنَا بِالْعَطَشِ، بَلْ لِيُدْخِلَنَا فِي حِمَى “التَّقْوَى”،
فَالصَّوْمُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ صَوْمُ الْجَوَارِحِ؛ فَإِذَا صَامَ بَطْنُكَ، فَلْتَصُمْ عَيْنُكَ عَنِ الْحَرَامِ، وَلْتَصُمْ أُذُنُكَ عَنِ سماع الباطل، ولسانك عن اللَّغْوِ وَالْغِيبَةِ، وَلْتَصُمْ يَدُكَ عَنِ الْأَذَى، وَلْتَصُمْ رِجْلُكَ عَنِ السَّعْيِ فِي مَسَاخِطِ اللَّهِ، فمَنْ أَمْسَكَ عَنِ الْحَلَالِ، ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى الْحَرَامِ بِجَوَارِحِهِ، فَقَدْ ضَيَّعَ ثَمَرَةَ عِبَادَتِهِ، وَبَقِيَ لَهُ الْجُوعُ دُونَ الْأَجْرِ، وهذا هو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم : «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [سنن ابن ماجه].
ومن الملاحظ أن أَخْطَر تِلْكَ الْجَوَارِحِ هُوَ “اللِّسَانُ”؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [صحيح البخاري]. فالْغِيبَة وَالنَّمِيمَة وَالْكَذِب هِيَ “مُفْطِرَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ”، تَمْحَقُ بَرَكَةَ الصَّوْمِ، وتضيع أجره وثوابه، وَتُحَوِّلُهُ مِنْ طَاعَةٍ تُرْفَعُ، إِلَى حِمْلٍ يُوضَعُ،
وأيضا من أهمها صيام (القلب)، ففي سنن ابن ماجه: (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَالصَّلاَةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ».
فكَيْفَ يَكُونُ صَائِمًا مَنْ يَقْطَعُ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ بِلِسَانِهِ؟، وَكَيْفَ يَكُونُ مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ مَنْ يَمْلَأُ مَجَالِسَهُ بِالْقِيلِ وَالْقَالِ؟، فإِنَّ صِيَامَ الْبَطْنِ سَهْلٌ يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ صِيَامَ الجوارح هُوَ مَيْدَانُ الْأَبْطَالِ، وَعَلَامَةُ الْمُتَّقِينَ.
وَمِنْ صِيَامِ الْجَوَارِحِ: “صِيَامُ الْعَيْنِ”؛ وَنَحْنُ فِي هذا الزمان، حَيْثُ أَصْبَحَ الْعَالَمُ فِي قَبْضَةِ الْيَدِ عَبْرَ الشَّاشَاتِ، نَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ عَظِيمٍ لِحِفْظِ الْبَصَرِ، فالنَّظْرَة الْمُحَرَّمَة سَهْمٌ مَسْمُومٌ يُفْسِدُ حَلَاوَةَ الصِّيَامِ فِي الْقَلْبِ، وفي مسند أحمد: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّمَا لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ»، فلَا يَلِيقُ بِالصَّائِمِ أَنْ يَقْضِيَ نَهَارَهُ فِي مُتَابَعَةِ مَا يَخْدِشُ الْحَيَاءَ، أَوْ يُغْضِبُ رَبَّ السَّمَاءِ، بِحُجَّةِ تَزْجِيَةِ الْوَقْتِ، فإِنَّ الْوَقْتَ فِي رَمَضَانَ هُوَ رَأْسُ مَالِكَ، فَإِذَا ضَاعَ بَصَرُكَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، ضَاعَ مَعَهُ صِدْقُ انْتِمَائِكَ لِمَدْرَسَةِ الصَّائِمِينَ.
وليكن معلوما أنَّ الْغَايَةَ مِنْ صِيَامِ الْجَوَارِحِ هِيَ: أَنْ تَنْقَادَ النَّفْسُ لِخَالِقِهَا؛ فَإِذَا تَعَوَّدَتِ الْجَوَارِحُ عَلَى الطَّاعَةِ فِي رَمَضَانَ، سَهُلَ عَلَيْهَا الِاسْتِقَامَةُ بَعْدَهُ، فالصَّوْم “جُنَّةٌ” أَيْ وِقَايَةٌ، وَلَا يَكُونُ وِقَايَةً إِلَّا إِذَا حَمَيْتَهُ مِنْ خُرُوقِ الْمَعَاصِي، قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْجَارِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صَوْمِكَ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:24]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ» [صحيح البخاري].
فقَوْل الصَّائِمِ “إِنِّي صَائِمٌ” عِنْدَ الِاسْتِفْزَازِ هُوَ قِمَّةُ الِانْتِصَارِ لِجَوَارِحِهِ؛ فَهُوَ يُذَكِّرُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ أَنَّهُ فِي “حَرَمِ الْعِبَادَةِ”، وَأَنَّهُ أَرْفَعُ مِنَ الدَّنَايَا، فإِنَّ صِيَامَ الْقَلْبِ عَنِ الْحِقْدِ، وَصِيَامَ الْيَدِ عَنِ الظُّلْمِ، هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الصَّائِمَ إِلَى مَقَامِ الْأَبْرَارِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ حَاسَّةٍ اسْتَعْمَلْتَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، سَتَكُونُ شَاهِدَةً لَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فاجْعَلُوا صِيَامَكُمْ تَرْبِيَةً لِجَوَارِحِكُمْ عَلَى “الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ”؛ فَالْمُسْتَحِي مِنَ اللَّهِ هُوَ مَنْ حَفِظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، ففي سنن الترمذي: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ». قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ «لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ »
ولَا تَجْعَلُوا صَوْمَكُمْ عَادَةً بَدَنِيَّةً، بَلِ اجْعَلُوهُ عِبَادَةً قَلْبِيَّةً وَسُلُوكِيَّةً، فَمَنْ صَامَتْ جَوَارِحُهُ فِي رَمَضَانَ، نَطَقَتْ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفَاضَتْ بِالنُّورِ يَوْمَ الْعَرْضِ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا صِيَامَ الْجَوَارِحِ وَطَهَارَةَ السَّرَائِرِ، وأن يجْعَل صِيَامَنَا عِصْمَةً لَنَا مِنَ الذُّنُوبِ، وَرِفْعَةً لَنَا فِي الدَّرَجَاتِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (صِيَامُ الْجَوَارِحِ لَا صِيَامُ الْبُطُونِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
فليكن صيامنا (صِيَام الجَوَارِحِ لَا صِيَام البُطُونِ)، فكُلّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ الرَّغِيفِ وَكَأْسِ المَاءِ سَاعَاتٍ مَعْدُودَاتٍ، ولَكِنَّ الصِّيَامَ الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ لَنَا هُوَ سُمُوُّ هَذَا الإِنْسَانِ بِكُلِّ جَارِحَةٍ وَهَبَهُ اللهُ إِيَّاهَا؛ لِيَكُونَ جَسَدُهُ كُلُّهُ مُسْتَسْلِماً لِخَالِقِهِ، فيصوم لسانه ويده وعينه، وقبل كل ذلك يصوم قلبه، فالقَلْب هُوَ المَلِكُ، فَإِذَا صَامَ عَنِ الحِقْدِ، وَالحَسَدِ، وَالكِبْرِ، تَبِعَتْهُ الجَوَارِحُ كُلُّهَا، وقد قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (183)البقرة، ومَعْنَى “التَّقْوَى” أَيْ أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ وِقَايَةً لَكَ مِنَ الوُقُوعِ فِي السَّيِّئَاتِ، لَا مُجَرَّدَ نِظَامٍ لِلطَّعَامِ، وحينها تجد لذة الطاعة، وحلاوة الإيمان، وفي المستدرك للحاكم: (النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانا يجد حلاوته في قلبه)
فهَلْ تَسَاءَلْنَا يَوْماً: لِمَاذَا نَخْرُجُ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا دَخَلْنَا؟، لِأَنَّنَا رَكَّزْنَا عَلَى “المَعِدَةِ”، وَنَسِينَا “المَعْنَى”، لِأَنَّنَا أَمْسَكْنَا عَنِ الحَلَالِ (الطَّعَامِ)، وَلَمْ نُمْسِكْ عَنِ الحَرَامِ، فإِنَّ صِيَامَ الجَوَارِحِ هُوَ الدَّوْرَةُ التَّدْرِيبِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُكَ تَتَحَكَّمُ فِي نَفْسِكَ بَعْدَ العِيدِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَارْتَقُوا بِصِيَامِكُمْ، واجْعَلُوا رَمَضَانَ تَهْذِيباً لِلأَخْلَاقِ، وَتَطْهِيراً لِلأَعْمَالِ، وكُنْ صَائِماً بِقَلْبِكَ، بِعَيْنِكَ، بِأُذُنِكَ، بِيَدِكَ أَنْ تَمْتَدَّ لِلْحَرَامِ، وَبِقَدَمِكَ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الإِثْمِ؛ حَتَّى تُنَادَى يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ.
فاللَّهُمَّ طَهِّرْ جَوَارِحَنَا عَنِ الحَرَامِ، واجْعَلْ صِيَامَنَا صِيَامَ المُخْبِتِينَ، وَقِيَامَنَا قِيَامَ القَانِتِينَ، ونَبِّهْنَا مِنْ نَوْمَةِ الغَافِلِينَ، وَارْزُقْنَا بَصِيرَةً فِي دِينِكَ، وَاجْعَلْ صِيَامَنَا حِجَاباً لَنَا مِنَ النَّارِ.
الدعاء
