خطبة حول معاني قوله تعالى ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
مارس 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (رَمَضَانُ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:22]. وَفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [صحيح البخاري].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُبَارَكَ هُوَ شَهْرُ الْقُرْبَى، وَمَوْسِمُ تَمْكينِ الرَّوَابِطِ، وَأَعْظَمُ فُرْصَةٍ لِإِصْلَاحِ مَا فَسَدَ مِنَ الْعَلَاقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فالصِّيَام الَّذِي يُهَذِّبُ النُّفُوسَ، وَيُنَقِّي الْقُلُوبَ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْتِيَ ثِمَارَهُ، وَصَاحِبُهُ قَاطِعٌ لِرَحِمِهِ، أَوْ مُهَاجِرٌ لِقَرَابَتِهِ، فإِنَّ “الرَّحِمَ” شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ، فَكَيْفَ يَرْجُو الصَّائِمُ وَصْلَ خَالِقِهِ، وَهُوَ قَاطِعٌ لِمَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ؟، فرَمَضَانُ يَدْعُونَا لِنَبْذِ الْخِلَافَاتِ، وَتَجَاوُزِ الْعَثَرَاتِ، وَبَدْءِ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ مِلْؤُهَا الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ.
وإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ فِي رَمَضَانَ لَيْسَتْ نَافِلَةً مِنَ الْقَوْلِ، بَلْ هِيَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، الَّتِي تَعْظُمُ بِعِظَمِ الزَّمَانِ، وَالصِّلَةُ لَا تَعْنِي فَقَطْ أَنْ تَصِلَ مَنْ وَصَلَكَ، بَلِ الِانْتِصَارُ الْحَقِيقِيُّ فِي هَذَا الشَّهْرِ هُوَ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ؛ كَمَا قَالَ ﷺ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [صحيح البخاري].
ونَحْنُ فِي زمان فَرَّقَتِ الْمَادِّيَّاتُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ، وَأَشْغَلَتِ الدُّنْيَا النَّاسَ عَنْ زِيَارَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّاتِ، نَحْتَاجُ إِلَى “نَفْضَةٍ إِيمَانِيَّةٍ”، تُعِيدُ لِلْبَيْتِ الْكَبِيرِ هَيْبَتَهُ، وَلِلْقَرَابَةِ حَقَّهَا، فلَا يَكُونُ صِيَامُكَ كَامِلًا وَأَنْتَ تَحْمِلُ ضَغِينَةً عَلَى ابْنِ عَمٍّ أَوْ أَخٍ لِأَجْلِ حُطَامِ دُنْيَا زَائِلٍ.
وصِلَة الرَّحِمِ تَبْدَأُ بِالْوَالِدَيْنِ، فَهُمَا أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، والصِّلَةُ تَكُونُ بِالزِّيَارَةِ، وَبِالْمَالِ لِلْمُحْتَاجِ مِنْهُمْ، وَبِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَبِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ،
والْمُسْلِم الْوَاصِلَ هُوَ نُورٌ فِي أَهْلِهِ، وَبَرَكَةٌ عَلَى مُجْتَمَعِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الرَّحِمَ تَقُومُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتَأْخُذُ بِحُجْزَةِ الرَّحْمَنِ، فَتَقُولُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟» [صحيح مسلم]،
فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ رَحِيلِ الشَّهْرِ، وَقَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
وتَأَمَّلُوا فِي عَوَاقِبِ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ؛ فَهِيَ مَانِعَةٌ لِقَبُولِ الْأَعْمَالِ، وَسَبَبٌ فِي حِرْمَانِ الْمَغْفِرَةِ فِي لَيَالِي الْعِتْقِ، فلَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ، فَأَيُّ خُسْرَانٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَتْعَبَ فِي الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، ثُمَّ يُرَدَّ عَمَلُكَ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ مَعَ قَرِيبٍ؟،
وصِلَةُ الرَّحِمِ تَبْسُطُ فِي الرِّزْقِ وَتُطِيلُ فِي الْعُمُرِ بَرَكَةً وَتَوْفِيقاً، فَاجْعَلُوا مِنْ مَوَائِدِ إِفْطَارِكُمْ مَجَالِسَ لِلصُّلْحِ، وَمِنْ هَوَاتِفِكُمْ وَسَائِلَ لِلْوَصْلِ، وَمِنْ قُلُوبِكُمْ مَرَافِئَ لِلْعَفْوِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:26].
وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ» [صحيح البخاري].
فشهر رَمَضَانَ شَهْرُ التَّصَافِي؛ فَلَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ وَفِي قَلْبِهِ غِلٌّ عَلَى قَرِيبٍ، وإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي أَرْضِكُمْ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَكُمْ، فَلَا تُعِينُوا الشَّيْطَانَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ وَأَرْحَامِكُمْ، وإِذَا كَانَتِ الصِّلَةُ شَاقَّةً، فَتَذَكَّرُوا أَجْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ الْقَرِيبُ مُسِيئاً، فَلْتَكُنْ أَنْتَ الْمُحْسِنَ؛ فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُو قَرَابَةً يَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونَهُ، فَقَالَ لَهُ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» [صحيح مسلم].
فاجْعَلُوا مِنْ هَذَا الشَّهْرِ انْطِلَاقَةً لِعَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ أَرْحَامِكُمْ، تَفَقَّدُوا أَرَامِلَهُمْ وَأَيْتَامَهُمْ، وَكُونُوا عَوْناً لَهُمْ فِي شَدَائِدِهِمْ، واعلموا أنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ، هَكَذَا نَبْنِي مُجْتَمَعاً رَمَضَانِيّاً مُتَمَاسِكاً، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَيَسْتَحِقُّ رَحْمَةَ خَالِقِهِ.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْوَاصِلِينَ لِأَرْحَامِهِمْ، الْمُتَّقِينَ لِرَبِّهِمْ. اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَهْلِينَا وَأَرْحَامِنَا، وَتَقَبَّلْ مِنَّا وَمِنْهُمْ صَالِحَ الْأَعْمَالِ. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:10].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (رَمَضَانُ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ونواصل الحديث عن: (رَمَضَانُ وَصِلَةُ الأَرْحَامِ): فإِنَّنَا نَصُومُ لِنَنْقِيَ قُلُوبَنَا، وَنُصَلِّي لِنُزَكِّيَ أَرْوَاحَنَا، وَلَكِنْ هَلْ يَقْبَلُ اللهُ صِيَامَ قَاطِعِ الرَّحِمِ؟، وهَلْ تَرْتَفِعُ صَلَاةُ مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ، أَوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أَوْ قَاطَعَ أَرْحَامَهُ؟
والسؤال: لِمَاذَا نَصِلُ أَرْحَامَنَا فِي رَمَضَانَ؟، والجواب: لِأَنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ: مَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللهُ. فكَيْفَ نَرْجُو عَفْوَ اللهِ وَنَحْنُ لَا نَعْفُو عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْنَا؟،
ونَصِلُ أَرْحَامَنَا فِي رَمَضَانَ: لِأَنَّ الصِّيَامَ يُرَقِّقُ القُلُوبَ، والصَّوْمُ يَكْسِرُ كِبْرَ النَّفْسِ، فرَمَضَانُ هُوَ الزَّمَنُ الَّذِي تَسْقُطُ فِيهِ الحَوَاجِزُ، فَإِذَا لَمْ تَلِنْ قَلُوبُنَا لِأَرْحَامِنَا وَنَحْنُ جِيَاعٌ لِلَّهِ، فَمَتَى تَلِينُ؟، ونَصِلُ أَرْحَامَنَا فِي رَمَضَانَ: لأن صِلَة الرَّحِمِ بَرَكَةٌ فِي العُمُرِ وَالرِّزْقِ: يَقُولُ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُبَارِكَ اللهُ لَهُ فِي صِيَامِهِ وَرِزْقِهِ، فَلْيَبْدَأْ بِأَرْحَامِهِ.
وسائل يسأل: كَيْفَ تَكُونُ الصِّلَةُ فِي رَمَضَانَ؟: بِالزِّيَارَةِ وَالتَّفَقُّدِ، خُصُوصاً لِكِبَارِ السِّنِّ وَالأَرَامِلِ مِنَ الأَقَارِبِ. وبِالصَّدَقَةِ: فَالصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ. وبِاتِّصَالٍ أَوْ رِسَالَةٍ: إِذَا بَعُدَتِ المَسَافَاتُ، فَلَا تَبْخَلْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ تُزِيلُ جَفَاءَ السِّنِينِ.
فيَا مَنْ قَاطَعْتَ أَخَاكَ، ويَا مَنْ هَجَرْتِ أُخْتَكِ، ويَا مَنْ عَقَقْتَ وَالِدَيْكَ.. رَمَضَانُ يَمْضِي، وَالعُمُرُ يَنْقَضِي، وَاللهُ يَنْتَظِرُ عَوْدَتَكُمْ. فبَادِرْ بِالسَّلَامِ، وَكُنْ أَنْتَ الخَيْرَ، فَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ.
فاللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَاصِلِينَ لِأَرْحَامِنَا، بَارِّينَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. اللَّهُمَّ انْزِعِ الغِلَّ وَالحِقْدَ مِنْ صُدُورِنَا. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ صِلَتَنَا لِأَرْحَامِنَا سَبَباً فِي دُخُولِ جَنَّتِكَ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.
الدعاء
