خطبة حول الاضلال والهداية ،وقوله تعالى ( قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ )
أبريل 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الْكَذِبُ وخطورته)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (119) التوبة، وفي الصحيحين واللفظ لمسلم: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
إخوة الإسلام
الْكَذِبُ: هو إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، وهو خلق مذموم في الدين، وعند كل العقلاء، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، ورأس الخطايا وبدايتها، وهو من أقصر الطرق إلى النار، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ)، فالكذب خُلَّة ذميمة، ولا يلجأ إليه ويتحرَّاه إلا من ضعف دينه، وقلّ عقله، وتلاشت ثقته بنفسه؛ وما ذاك إلا لأن الكاذب لا يكذب إلا لينال من خلاله مطمعًا، أو ليدفع عنه مزعجًا، أو ليستر به نقصًا، ويواري به ضعفاً، ولو كمُل إيمانه، وعظمت ثقته بنفسه، وتم َّله عقله، لأيقن أن الله قد كتب كل شيء وقدَّرَه، فلن يستجلب العبد بالكذب ما لم يُقدَّر له، ولن يدفع عن نفسه بالكذب ما قُدِّر عليه، ولن ينال به حمدًا، ولن يدفع به ذمًّا؛ بل هو طريقٌ يستجلِبُ به العبدُ سخطَ الله ومقته عليه.
واعلموا أنه كلما كان الكذب أعظم أثرًا، كانت عقوبته أكبر وأعظم، فأعظم الكذب: الكذب على الله تعالى؛ فقد قال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) الأنعام (21)، وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (7) الصف، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (33) الأعراف، وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) [الأنعام:93].
فلا أحَدَ أعظَمُ ظُلمًا ولا أكبَرُ جُرمًا ممن كَذَب على اللهِ، بأن نسَب إلى اللهِ قولًا أو حُكمًا، وهو تعالى بريءٌ منه، وإنما كان هذا أظلَمَ الخلقِ؛ لأنَّ فيه من الكَذِبِ وتغييرِ الأديانِ أُصولِها وفروعِها ونسبةِ ذلك إلى اللهِ تعالى، ويدخُلُ في ذلك ادِّعاءُ النُّبُوَّةِ، وأنَّ اللهَ يوحي إليه، وهو كاذِبٌ في ذلك؛ فإنَّه -مع كَذِبِه على اللهِ، وجرأتِه على عظمتِه وسُلطانِه، يوجِبُ على الخَلقِ أن يتَّبِعوه، ويجاهِدُهم على ذلك، ويستَحِلُّ دِماءَ من خالفه وأموالَهم.
ومن الكذب على الله: أن يُفَسِّرَ كلامَ اللهِ بغيرِ ما أراد اللهُ؛ لأنَّ المقصودَ من الكلامِ معناه، فإذا قال: أراد اللهُ بكذا كذا وكذا، فهو كاذِبٌ على اللهِ، شاهِدٌ على اللهِ بما لم يُرِدْه اللهُ عزَّ وجَلَّ،
ومن الكذب والقول على الله: الخوض بالتحليل والتحريم من غير دليل، وقد عد الله هذا الأمر من الافتراء عليه، فقال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) (116) النحل، وقد كتب الله – جلَّ في علاه – على المفترين عليه الخسارة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: { قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} يونس (69)
وأيضا من أعظم الكذب: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقد توعَّد النبي – صلى الله عليه وسلم – من كذب عليه متعمدًا أن يتبوَّأ مقعده من النار، ففي الصحيحين: (أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، وفي رواية لمسلم: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ كَذِبًا عَلَىَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
ثم يأتي بعد ذلك الكذب على المؤمنين: ومنه شهادة الزور التي عدَّها النبي صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر، وكم وُجد في عصرنا هذا من باع دينه وضميره وشهد شهادة زور، فأضاع حقوق الناس، أو رماهم بما ليس فيهم، طمعًا في دنيا، أو رغبة في انتقام أو تشفٍّ، وفي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ». قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ «أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ». فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لاَ يَسْكُتُ)،
وَمِنْ صُوَرِ الكَذِبِ على المؤمنين المُحَرَّمَةِ: اليَمِينُ الغَمُوسُ، التِي تُؤَدِّي إِلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، ففي صحيح البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِىَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) الآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ:77]،
وَمِنْ صُوَرِ الكَذِبِ على المؤمنين: الِافْتِرَاءُ عَلَى النَّاسِ وَالكَذِبُ عَلَيْهِمْ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إِفْسَادِ ذَاتِ البَيْنِ وَوُقُوعِ العَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ فِي المُجْتَمَعِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا، وَصَنِيعُهُ نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٌ وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ».
ومن صور الكَذِب على النَّاسِ: ادِّعاء الإيمانِ: وهو كذِبٌ يظهِرُ الإنسانُ فيه أنَّه من أهلِ الخيرِ والصَّلاحِ، والتُّقى والإيمانِ، وهو ليس كذلك، بل هو من أهل الكُفرِ والطُّغيانِ، فهذا هو النِّفاقُ، الذين قال اللهُ فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة:8]،
ومن صور الكَذِب على النَّاسِ: المبالغةُ في الإطراءِ والمدحِ: فالمُسلِمُ يجِبُ أن يحاذِرَ حينما يُثني على غيرِه، فلا يَذكُرُ إلَّا ما يَعلَمُ من خيرٍ، ولا يجنَحُ إلى المبالغةِ في تضخيمِ المحامِدِ، وطَيِّ المثالِبِ، فإنَّ المبالغةَ في الاطراء ضَربٌ من الكَذِبِ المحرَّمِ، ففي صحيح مسلم: (قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ وَقَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ).
ومن صور الكَذِب على النَّاسِ: كَذِبُ التَّاجِرِ في بيانِ سِلعتِه: ففي صحيح البخاري: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى أَوْفَى – رضي الله عنهما – أَنَّ رَجُلاً أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ فَحَلَفَ فِيهَا لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ. لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ [آل عمران:77]
ومن صور الكذب: الكَذِبُ على الأولادِ: فكثيرًا ما يكذِبُ الوالِدانِ على أولادِهما الصِّغارِ؛ رَغبةً في التَّخلُّصِ منهم، أو تخويفًا لهم؛ كي يكفُّوا عن العَبَثِ واللَّعِبِ، أو حَفزًا لهم كي يجِدُّوا في أمرٍ ما، أو غيرَ ذلك، ففي مسند أحمد: (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ تَعَالَ هاَكَ ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهِيَ كَذْبَةٌ»، وعند البيهقي: (عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى أُمِّي وَأَنَا غُلاَمٌ فَأَدْبَرْتُ خَارِجًا فَنَادَتْنِي أُمِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ تَعَالَ هَاكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«مَاذَا تُعْطِيهِ؟». قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا. قَالَ :«أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةً»
ومن الكذب: الكَذِبُ في الأحلامِ: ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ، كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ)
وَمِنَ صُّوَرِ الكَذِبِ المُحَرَّمَةِ أَيْضًا: الكَذِبُ فِي نَقْلِ الأَخْبَارِ وَإِشَاعَتِهَا، خَاصَّةً مَا يُنْشَرُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ المُنَافِقِينَ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النِّسَاء:83]. وَقَالَ ﷺ: «كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَالأَصْلُ فِي المُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا يَكْتُبُهُ وَيَنْشُرُهُ سَيُحَاسَبُ عَلَيهِ، فَإِذَا اسْتَحْضَرَ العَبْدُ هَذَا وَاسْتَشْعَرَ أَنَّهُ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ فَكَفَّ عَنِ الذُّنُوبِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ [العَنكَبُوت:3].
كما يَحْرُمُ الكَذِبُ لِإِضْحَاكِ النَّاسِ، قَالَ ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. وَقَالَ ﷺ: «لَا يَصْلُحُ الكَذِبُ فِي جِدٍّ وَلَا هَزْلٍ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ. وَقَالَ ﷺ: «إِنِّي لَأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الْكَذِبُ وخطورته)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
المؤمن لا يكذب، فقد روى الإمام مالك في الموطإ: (قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا فَقَالَ «نَعَمْ». فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلاً فَقَالَ «نَعَمْ». فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا فَقَالَ «لاَ». كما بيَّن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن المؤمن لا يبلغُ كمالَ الإيمان حتى يترك الكذب في الجد والهزل، ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ فِي الْمُزَاحَةِ وَيَتْرُكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ صَادِقاً».
وقد تكفَّل النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – ببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، ففي سنن أبي داود: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ».
ومن خطورة الكذب أنه علامة من علامات النفاق؛ ففي الصحيحين: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»
وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عن عقوبة الكذب والكذابين، فقد روى البخاري: (عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا: «انْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ المَرَّةَ الأُولَى» قَالَ: «قُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ مَا هَذَانِ؟»، قَالَا: «إِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ»، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الكَاذِبَ يَعِيشُ فِي “سِجْنِ القَلَقِ”؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِاخْتِرَاعِ كَذِبَةٍ جَدِيدَةٍ لِيَسْتُرَ قَدِيمَهَا، والكَذِبُ يَهْدِمُ “جُسُورَ الثِّقَةِ”؛ فَإِذَا عُرِفَ المَرْءُ بِالكَذِبِ، لَمْ يُصَدَّقْ وَإِنْ نَطَقَ بِالحَقِّ، وَلَمْ يُؤْمَنْ وَإِنْ أَبْدَى النُّصْحَ، وإِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي يَتَفَشَّى فِيهَا الكَذِبُ هِيَ أُمَّةٌ مَهْزُومَةٌ نَفْسِيًّا، لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يُخَالِفُ بَاطِنَهَا، وَلَا صَلَاحَ لِلْمُجْتَمَعِ إِلَّا بِالصِّدْقِ الذِي هُوَ طُمَأْنِينَةٌ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119].
فالنَّجَاة كُلَّ النَّجَاةِ فِي الصِّدْقِ، وَلَوْ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ فِيهِ الهَلَاكَ، ورَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى الصِّدْقِ وَلَوْ كَانَ مُرًّا، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكْذِبُوا أَمَامَهُمْ فَيَتَعَلَّمُوا مِنْكُمْ “خِيَانَةَ الكَلِمَةِ”، فالصِّدْقُ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَالبِرُّ طَرِيقُ الجَنَّةِ.
الدعاء
