خطبة عن (الْتَمِسُوهَا فِي رَمَضَانَ)
مارس 9, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ.. حِكْمَتُهُ وَثِمَارُهُ وَآدَابُهُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:125]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:187]. وَفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [صحيح البخاري].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّنَا نَقْتَرِبُ مِنْ مَوْسِمِ الصَّفْوَةِ، وَنِهَايَةِ السِّبَاقِ، حَيْثُ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ عَلَى مَصَارِيعِهَا؛ وَذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، شَرَعَ اللَّهُ لَنَا سُنَّةً جَلِيلَةً هِيَ “الِاعْتِكَافُ”،
وَحَقِيقَةُ الِاعْتِكَافِ: لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّفَرُّغُ التَّامُّ لِمُنَاجَاتِهِ، فالِاعْتِكَافِ: “خَلْوَةُ الْمُحِبِّ بِحَبِيبِهِ”، وَانْقِطَاعُ الْعَبْدِ عَنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا، لِيَتَّصِلَ بِرَبِّ الدنيا والْآخِرَةِ، فالِاعْتِكَافَ هُوَ رُوحُ رَمَضَانَ، وَتَاجُ أَعْمَالِهِ، وَهُوَ السِّيَاجُ الَّذِي يَحْمِي الْقَلْبَ مِنْ فُضُولِ الْمُخَالَطَةِ، وَضَجِيجِ الْحَيَاةِ.
فالْحِكْمَة مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الِاعْتِكَافِ تَتَجَلَّى فِي: “جَمْعِ الْقَلْبِ عَلَى طاعة اللَّهِ”؛ فَالْإِنْسَانُ فِي غَمْرَةِ الْحَيَاةِ، تَتَفَرَّقُ هُمُومُهُ، وَتَتَشَتَّتُ أَفْكَارُهُ، فَيَأْتِي الِاعْتِكَافُ لِيُعِيدَ لِلرُّوحِ تَدْبِيرَهَا، وَلِلْقَلْبِ تَوْحِيدَهُ،
وَمِنْ حِكْمَة الِاعْتِكَافِ أيضا: تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَكِفَ بِلُزُومِهِ لِلْمَسْجِدِ، يَكُونُ أَقْرَبَ النَّاسِ لِإِصَابَةِ نَفَحَاتِهَا، وَأَوْفَرَهُمْ حَظّاً مِنْ بَرَكَاتِهَا، إِنَّهُ سَفَرٌ إِلَى اللَّهِ وَأَنْتَ فِي مَكَانِكَ، وَهِجْرَةٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ، حَتَّى يَصْفُوَ الْوُدُّ وَيَعْظُمَ الْأُنْسُ.
أَمَّا ثِمَارُ الِاعْتِكَافِ فَهِيَ عَظِيمَةٌ؛ فَأَوَّلُهَا: “تَهْذِيبُ النَّفْسِ” عَلَى الصَّبْرِ، وَالِانْقِطَاعِ عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ.
ثَانِيهَا: “لَذَّةُ الْمُنَاجَاةِ”؛ حَيْثُ يَخْلُو الْعَبْدُ بِرَبِّهِ فَيَذُوقُ حَلَاوَةً لَا تُدَانِيهَا لَذَّةٌ.
ثَالِثُهَا: “تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ” وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَكِفَ كَالْمُرَابِطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمَنَعَهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَنَحْنُ وَسَطَ مُغْرِيَاتِ التَّكْنُولُوجِيَا الَّتِي اقْتَحَمَتْ كُلَّ خَلْوَةٍ، نَحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِكَافِ، لِنَسْتَعِيدَ سَلَامَةَ صُدُورِنَا، وَنُطَهِّرَ عُقُولَنَا مِنْ شَوائبِ الْأَفْكَارِ، وَسُمُومِ الشَّاشَاتِ.
ومَنْ دَخَلَ الْمُعْتَكَفَ وَقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالسُّوقِ، أَوْ بِالْهَاتِفِ، فَقَدْ ضَيَّعَ جَوْهَرَ الِاعْتِكَافِ، لأن الْقَصْدَ من الِاعْتِكَافِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْهَمَّ الْوَحِيدَ، فَالْمُعْتَكِفُ يَطْرُقُ بَابَ الْكَرِيمِ، وَالْكَرِيمُ لَا يَرُدُّ ضَيْفَهُ.
فَلْنَحْرِصْ عَلَى أَنْ نَجْعَلَ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ مَحَطَّةً لِلتَّزَوُّدِ لِلْعَامِ كُلِّهِ، فَالشَّحْنَةُ الْإِيمَانِيَّةُ الَّتِي تَنَالُهَا فِي اعْتِكَافِكَ هِيَ الَّتِي سَتُثَبِّتُكَ فِي مَوَاجِهَةِ عَوَاصِفِ الْفِتَنِ بَعْدَ رَمَضَانَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:36]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا ،المَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إِنْ غَابُوا افْتَقَدُوهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ » [مسند أحمد].
واعلموا أن لِلِاعْتِكَافِ آدَابا يَجِبُ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا الْمُسْلِمُ لِيَنَالَ الْقَبُولَ: ومِنْهَا: “الِانْشِغَالُ بِالذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ” وَتَرْكُ فُضُولِ الْكَلَامِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ الِاعْتِكَافُ إِلَى مَجَالِسَ لِلسَّمَرِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ.
وَمِنْهَا: “الْإِخْلَاصُ”؛ فَلَا يَعْتَكِفُ لِيُقَالَ “عَابِدٌ” أَوْ “زَاهِدٌ”.
وَمِنْهَا: “عَدَمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ” إِلَّا لِحَاجَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، لِيَبْقَى الِاتِّصَالُ بِالْمُعْتَكَفِ رُوحِيّاً وَجَسَدِيّاً.
وَمَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ اعْتِكَافُ الْعَشْرِ كَامِلَةً، فَلَا يُحْرِمْ نَفْسَهُ مِنْ صِدْقِ التَّوَجُّهِ وَلَوْ لَيْلَةً أَوْ سَاعَاتٍ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْإِخْلَاصِ يُبَارِكُهُ اللَّهُ.
فاجْعَلُوا اعْتِكَافَكُمْ مَيْدَاناً لِإِصْلَاحِ السَّرَائِرِ؛ فَاللَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ لَا إِلَى طُولِ قِيَامِكُمْ.
وطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَأَنْتُمْ فِي بَيْتِ اللَّهِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ خِتَامَ الِاعْتِكَافِ يَكُونُ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ، لَا بِالْمَنِّ عَلَى اللَّهِ بِالْعَمَلِ، فَالْمُوفَّقُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ اعْتِكَافِهِ بِأَخْلَاقٍ أَرْقَى، وَهِمَّةٍ أَقْوَى، وَقَلْبٍ أَنْقَى.
ونَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا صِدْقَ الِاعْتِكَافِ فِي مَرَاضِيهِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ يُعَمِّرُونَ بُيُوتَهُ بِالطَّاعَةِ. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:127].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ.. حِكْمَتُهُ وَثِمَارُهُ وَآدَابُهُ)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
ونستكمل حديثنا عن: (الِاعْتِكَافُ فِي رَمَضَانَ.. حِكْمَتُهُ، ثِمَارُهُ، وَآدَابُهُ): يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: “شَرَعَ اللهُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ القَلْبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَحْدَهُ”.
ومن ثِمَار الِاعْتِكَافِ: صَفَاءُ النَّفْسِ: فحِينَ يَنْقَطِعُ العَبْدُ عَنِ الخَلْقِ، تَنْقَطِعُ عَنْهُ فُضُولُ الكَلَامِ، وَفُضُولُ النَّظَرِ، وَفُضُولُ الطَّعَامِ، فَيَصْفُو مَعْدِنُهُ.
ومن ثِمَار الِاعْتِكَافِ: تَرْبِيَةُ الإِرَادَةِ: فأَنْ تَقْدِرَ عَلَى تَرْكِ مَنْزِلِكَ وَفِرَاشِكَ وَأَهْلِكَ لِأَجْلِ رَبِّكَ، فَهَذَا تَمْرِينٌ عَمَلِيٌّ عَلَى تَقْدِيمِ مَحَابِّ اللهِ عَلَى مَحَابِّ النَّفْسِ.
والِاعْتِكَافَ لَيْسَ “دِيوَانِيَّةً” لِلْحَدِيثِ مَعَ الأَصْدِقَاءِ فِي المَسْجِدِ، بَلْ هُوَ “سِجْنُ النَّفْسِ” فِي طَاعَةِ اللهِ.
ولِكَيْ يُؤْتِيَ الِاعْتِكَافُ ثِمَارَهُ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الإِخْلَاصُ: فَلَا تَعْتَكِفْ لِيُقَالَ “فُلَانٌ مِنَ العُبَّادِ”، بَلْ لِتَجِدَ قَلْبَكَ الضَّائِعَ.
ثَانِيًا: تَقْلِيلُ الخُلْطَةِ: فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ الِاعْتِكَافُ إِلَى مَجَالِسَ لِلْغِيبَةِ أَوْ لِلْكَلامِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، فَالمُعْتَكِفُ ضَيْفُ اللهِ فِي بَيْتِهِ، فَلْيَتَأَدَّبْ مَعَ المَضِيفِ.
ثَالِثًا: الِاشْتِغَالُ بِالقُرْبَاتِ: مِنْ صَلَاةٍ، وَتِلَاوَةٍ، وَذِكْرٍ، وَدُعَاءٍ، وَتَفَكُّرٍ.
رَابِعًا: هَجْرُ الهَوَاتِفِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مُفْسِدَاتِ اعْتِكَافِ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ هِيَ هَذِهِ الشَّاشَاتُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْقُلُ لَهُمْ ضَجِيجَ العَالَمِ إِلَى قَلْبِ المَسْجِدِ. فَكَيْفَ يَخْلُو بِرَبِّهِ مَنْ كَانَ قَلْبُهُ مَعَلَّقاً بِمَا يَنْشُرُهُ النَّاسُ؟
فيا عِبَادَ اللهِ.. مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ اعْتِكَافَ العَشْرِ كُلِّهَا، فَلَا يُحْرِمْ نَفْسَهُ مِنْ لَيْلَةٍ، أَوْ حَتَّى سَاعَاتٍ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالفَجْرِ، يَنْوِي فِيهَا الِاعْتِكَافَ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ فَيُسْعِدَهُ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً.
فاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صِدْقَ الإِقْبَالِ عَلَيْكَ، وَحُسْنَ العُكُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا بِالِاعْتِكَافِ، وَاكْتُبْنَا فِي هَذِهِ العَشْرِ مِنْ أَهْلِ لَيْلَةِ القَدْرِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ هَذَا خَيْرَ رَمَضَانَ مَرَّ عَلَيْنَا، وَأَعْتِقْ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ انْصُرِ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَاجْبُرْ كَسْرَنَا، يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
الدعاء
