خطبة عن (أَسْرَارُ النَّفْسِ وَدَوَاؤُهَا)
مارس 28, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ.. فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
في المعجم الكبير للطبراني: قال صلى الله عليه وسلم: (وإني لأظن أني يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وإنكم مسؤولون فماذا أنتم قائلون ؟)،
إخوة الإسلام
رًوي في مسند أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَقِى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَائِلٌ مَا أَقُولُ أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَمِيعاً بَصِيراً أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاً وَوَلَداً فَمَاذَا قَدَّمْتَ فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَجِدُ شَيْئاً فَمَا يَتَّقِى النَّارَ إِلاَّ بِوَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ).
وفي سنن الترمذي: (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَمَاذَا صَنَعْتَ. فَيَقُولُ يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ. فَيَقُولُ لَهُ أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ. فَيَقُولُ يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ. فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ ».
وفي سنن الترمذي: (أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِىَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ
فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عُلِّمْتَ قَالَ كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فُلاَنًا قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ.
وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ قَالَ كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ.فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ.
وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ فِي مَاذَا قُتِلْتَ فَيَقُولُ أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ كَذَبْتَ وَتَقُولُ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلاَنٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ ».
ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ « يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »
وفي المعجم الكبير للطبراني: (أن عبد الله بن مسعود قال: ما منكم من أحد إلا أن ربه سيخلو به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ما غرك بي؟ ابن آدم ما غرك بي؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ ابن آدم ماذا علمت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟
وروى الإمام أحمد في مسنده: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَزَوَّجَتُكَ النِّسَاءَ وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ وَتَرْأَسُ فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ »
أيها المسلمون
إِنَّ الْمَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ حَقٌّ، وَإِنَّ السُّؤَالَ قَادِمٌ لَا مَحَالَةَ، فَهَلْ أَعْدَدْنَا لِلسُّؤَالِ جَوَاباً؟، وَهَلْ جَعَلْنَا لِلْجَوَابِ صَوَاباً؟، لَقَدْ وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَاخِرِ أَيَّامِهِ، وَقَلْبُهُ مَعَلَّقٌ بِالْآخِرَةِ، لِيُلْقِيَ عَلَى مَسَامِعِ الأُمَّةِ كَلِمَاتٍ تَهْتَزُّ لَهَا الرَّوَاسِي، فَقَالَ ﷺ : «وَإِنِّي لَأَظُنُّ أَنِّي يُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي مَسْؤُولٌ وَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ، فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟»، فيَا لَهُ مِنْ نِدَاءٍ يُوقِظُ الْغَافِلِينَ!، فإِذَا كَانَ سَيِّدُ الْخَلْقِ ﷺ، الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ، حَتَّى بَلَغَ النَّقْعُ عَنَانَ السَّمَاءِ، يَقُولُ: “وَإِنِّي مَسْؤُولٌ”، فَكَيْفَ بِي وَبِكُمْ؟، وأَيْنَ هِمَمُكُمْ فِي نُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ؟، وأَيْنَ بَصَمَاتُكُمْ فِي بِنَاءِ الْأُمَّةِ؟، فإِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ لَيْسَتْ لَقَباً يُحْمَلُ، بَلْ هِيَ أَمَانَةٌ تَنُوءُ بِهَا الْجِبَالُ، لَقَدْ نَزَلَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92-93]. فَأَيْنَ الْعَمَلُ الَّذِي يُبَيِّضُ الْوُجُوهَ؟، فإِنَّ هَذَا الدِّينَ لَا يَقُومُ بِالنَّائِمِينَ، وَلَا يُنْصَرُ بِالْمُتَقَاعِسِينَ، بَلْ بِرِجَالٍ اسْتَشْعَرُوا أَنَّ كُلَّ لَحْظَةٍ هِيَ مَحَلُّ سُؤَالٍ، فانْفُضُوا عَنْكُمْ غُبَارَ الْكَسَلِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ثَغْرٍ، فَلَا يُؤْتَيَنَّ الإِسْلَامُ مِنْ قِبَلِكُمْ.
أيها المسلمون
وإِنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ: “فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟”، لَا تَكُونُ بِالْكَلَامِ الْمُنَمَّقِ، بَلْ بِالْحَقَائِقِ الَّتِي نُقَدِّمُهَا لِلَّهِ، فهَلْ حَفِظْتُمْ حُدُودَهُ؟، وهَلْ نَصَرْتُمْ سُنَّتَهُ؟، فإِنَّ الشَّرَفَ كُلَّ الشَّرَفِ أَنْ تَقِفَ غَداً فَتَقُولَ: يَا رَبِّ، اسْتَعْمَلْتَنِي فَأَطَعْتُ، وَحَمَّلْتَنِي فَأَدَّيْتُ، فَاسْتَعِدُّوا لِتِلْكَ اللَّحْظَةِ بِهِمَمٍ تُنَاطِحُ السَّحَابَ.
وانْتَقِلُوا بِقُلُوبِكُمْ إِلَى مَشْهَدٍ آخَرَ، حَيْثُ تَقِفُ وَحِيداً، لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللهِ تُرْجُمَانٌ، فيَقُولُ ﷺ كَمَا فِي “مُسْنَدِ أَحْمَدَ”: «وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَائِلٌ مَا أَقُولُ: أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَمِيعاً بَصِيراً؟، أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاً وَوَلَداً؟، فَمَاذَا قَدَّمْتَ؟، فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَجِدُ شَيْئاً، فَمَا يَتَّقِي النَّارَ إِلَّا بِوَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ» (مسند أحمد). فتَأَمَّلُوا هَذَا الِاسْتِفْهَامَ التَّقْرِيرِيَّ: “أَلَمْ أَجْعَلْكَ سَمِيعاً بَصِيراً؟”. فهَذِهِ الْجَوَارِحُ الَّتِي تَعْصِي اللهَ بِهَا، هِيَ رَأْسُ مَالِكَ الَّذِي سَتُحَاسَبُ عَلَيْهِ، “أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالاً وَوَلَداً؟”، فأَيْنَ ذَهَبَتْ هَذِهِ النِّعَمُ وهَلْ كَانَتْ سُلَّماً لِلْجَنَّةِ أَمْ جِسْراً لِلنَّارِ؟، إِنَّ الْعَبْدَ يَحِيدُ بِنَظَرِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَبْحَثُ عَنْ نَصِيرٍ، عَنْ صَاحِبٍ، عَنْ جَاهٍ، فَلَا يَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ.
فأَيْنَ أَهْلُ الْبَذْلِ؟، وأَيْنَ أَهْلُ الْجُودِ؟، إِنَّ النَّارَ تَتَلَظَّى، وَالْمَنْجَاةَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ سَهْلَةٌ مَيْسُورَةٌ، “وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ”، فلَا تَقُلْ “مَاذَا سَأَفْعَلُ وَأَنَا فَقِيرٌ؟”، بَلْ قُلْ “مَاذَا سَأُقَدِّمُ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ؟”، فالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي تَبْنِي وَلَا تَهْدِمُ، تَجْبُرُ وَلَا تَكْسِرُ، هِيَ جُنَّتُكَ مِنَ النَّارِ، وانْفِضُوا عَنْ قُلُوبِكُمْ الشُّحَّ، وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَالْعُمُرُ قَصِيرٌ، وَالنَّاقِدُ بَصِيرٌ، وَالرَّحِيلُ قَرِيبٌ.
أيها المسلمون
ولَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَمُوذَجٍ بَائِسٍ، نَمُوذَجِ مَنْ عَاشَ لِيَجْمَعَ لَا لِيُقَدِّمَ، يَقُولُ ﷺ: «يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ -أَيْ حَمَلٌ صَغِيرٌ ذَلِيلٌ- فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ. فَيَقُولُ لَهُ: أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ فَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ. فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْراً فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ» (سنن الترمذي). فأَيُّ خِزْيٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا؟، عَبْدٌ يُفَاخِرُ بِأَنَّهُ “ثَمَّرَ” مَالَهُ، حَتَّى تَرَكَهُ “أَكْثَرَ مَا كَانَ”!، فيا مِسْكِينُ، مَا تَرَكْتَهُ لَيْسَ لَكَ، إِنَّمَا لَكَ مَا قَدَّمْتَ، {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر:24]. ولَمْ يَقُلْ “لِمَمَاتِي”، لِأَنَّ الْحَيَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ هُنَاكَ.
فيا أَيُّهَا الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ الأَمَانِيُّ، وَأَشْغَلَهُمُ التَّكَاثُرُ، اسْمَعُوا نِدَاءَ رَبِّكُمْ: “أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ”، هَلْ قَدَّمْتَ صَدَقَةً جَارِيَةً؟، هَلْ قَدَّمْتَ عِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ؟، هَلْ قَدَّمْتَ وَلَداً صَالِحاً يَدْعُو لَكَ؟، أَمْ أَنَّكَ قَدَّمْتَ عَقَارَاتٍ وَأَرْصِدَةً سَيَتَنَازَعُ عَلَيْهَا الْوَرَثَةُ، وَتُحَاسَبُ أَنْتَ عَلَيها؟، فإِنَّ الْهِمَّةَ الْعَالِيَةَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْآخِرَةَ نُصْبَ الْعَيْنِ، فلَا تَكُنْ “بَذَجاً” ذَلِيلاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ كُنْ كَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ الَّذِينَ كَانُوا يُقَدِّمُونَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْمَوْتُ، فانْظُرُوا فِي صَحَائِفِكُمْ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ، وَصَحِّحُوا مَسَارَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ: “يُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ”، فارْجِعُوا إِلَى اللهِ، وَأَرُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً، فَمَا زَالَ فِي الْعُمُرِ بَقِيَّةٌ لِلإِنَابَةِ وَالْبَذْلِ.
(إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ.. فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟): فإنَّ المَسْأَلَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ العَمَلِ، بَلْ بِصِدْقِ القَصْدِ، فإنَّ “القَارِئَ” وَ “المُجَاهِدَ” وَ “المُتَصَدِّقَ” لَمَّا كَانَ جَوَابُهُمْ كَاذِبًا قَالَتْ لَهُمُ المَلَائِكَةُ: “كَذَبْتَ”، فالرِّيَاء هُوَ القَاتِلُ الخَفِيُّ لِلأَعْمَالِ، وَأَنَّ جَوَابَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّزْوِيرَ؛ لِأَنَّ المَلَكَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ،
أيها المسلمون
وإِذَا عَلِمْنَا أَنَّنَا مَسْؤُولُونَ، فَمَا هُوَ الطَّرِيقُ لِلنَّجَاةِ؟، والجواب: أَوَّلًا: صِحَّةُ القَصْدِ وَالإِخْلَاصِ :فلَا تَعْمَلْ لِيُقَالَ “فُلَانٌ قَارِئٌ” أَوْ “جَوَادٌ” أَوْ “شُجَاعٌ”؛ فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ فِي الدُّنْيَا وَضَاعَ الأَجْرُ فِي الآخِرَةِ، اجْعَلْ جَوَابَكَ حِينَ تُسْأَلُ: “فَعَلْتُهُ لِأَجْلِكَ يَا رَبِّ”، جَوَابًا صَادِقًا يَقْبَلُهُ اللهُ، وَتُصَدِّقُهُ المَلَائِكَةُ. ثَانِيًا: الِاحْتِمَاءُ بِأَقَلِّ العَمَلِ: يَقُولُ ﷺ: «فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ». فلَا تَسْتَهِنْ بِمَعْرُوفٍ، فقَدْ يَكُونُ هُوَ السِّتْرَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّارِ يَوْمَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ. ثَالِثًا: الِاسْتِيقَاظُ قَبْلَ الفَوَاتِ، ويقال لك: ابْنَ آدَمَ.. مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ؟، مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟، فإِنَّ لِكُلِّ مَوْعِظَةٍ تَسْمَعُهَا سُؤَالًا يُنْتَظَرُكَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ.. فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
(إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ.. فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟): إنَّ أعظم مشهدٍ يمكن أن يتصوره قلبُ مؤمن، هو ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، يومٌ تتشخص فيه الأبصار، وتخرس فيه الألسن، إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً، لقد وقف نبيكم ﷺ في حجة الوداع وفي أواخر حياته، وقف ليضع للأمة منهجاً في استشعار المسؤولية، فقال ﷺ (وإنكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟).
إننا مسؤولون عن إيماننا، وعن صلاتنا، وعن أماناتنا، وعن أخلاقنا، “فماذا أنتم قائلون؟”؛ وهذا ليس سؤالاً عابراً، بل هو دعوة لتجهيز الجواب، فإن الجواب في ذلك اليوم لا يُرتجل، واللسان لا يكذب، بل تنطق الجوارح بما كانت تعمل.
إن مسؤوليتنا اليوم هي: أن نكون خير أمة أخرجت للناس، وأن نحمل هذا الدين في سلوكنا قبل أقوالنا، فكل واحد منا ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يُؤتى الإسلام من قِبلك.
أيها المسلمون
(إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ.. فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟): إن المسؤولية تقتضي اليقظة، فلا ينبغي لمسلم أن يعيش هامشياً في هذه الحياة، يأكل ويشرب، ويجمع المال ثم يرحل، بل عليه أن يسأل نفسه في كل صباح: ما هو جوابي غداً حين يسألني ربي عن دينه؟، وعن سنة نبيه؟، وعن حال جيراني، وإخواني؟، فإن الوقوف بين يدي الله حتم مقضي، فمن استعد للسؤال نجا، ومن غفل عنه فاجأه الأجل، وهو لا يملك جواباً ولا عذراً.
سوف يسألك الله عن “السمع والبصر”؛ هل كانا بوابتين للخير، أم منافذا للآثام؟، يسألك عن “المال”؛ من أين اكتسبته وفيمَ أنفقته؟ وعن “الولد”؛ هل ربيتهم على عين الله، أم تركتهم لتيارات الهوى؟،
ويصف النبي ﷺ حال العبد في هذا الموقف الصعب: (فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَجِدُ شَيْئاً فَمَا يَتَّقِى النَّارَ إِلاَّ بِوَجْهِهِ)، فتخيل هذا العجز، فالعبد يحاول حماية نفسه من حر جهنم بوجهه، فلا يجد من عمله ما ينجيه، إلا رحمة الله، ثم ما قدم من عمل صالح، لذلك، يأتي التوجيه النبوي العملي: (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَبِكَلِمَةٍ لَيِّنَةٍ).
(إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ.. فَمَاذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟): فإن الإسلام لا يطلب منك المستحيل، بل يطلب منك “التقديم” ولو كان قليلاً، شق تمرة -نصف تمرة- تخرجها بصدق قد تزن عند الله جبالاً، وتكون حجاباً لك من النار، وكلمة طيبة تجبر بها خاطراً، أو ترد بها سائلاً، أو تهدي بها ضالاً، قد تكون هي المنجية حين يغيب كل شيء، إن الخطورة كل الخطورة أن نلقى الله بـ “لا شيء”، أن نكون قد استهلكنا كل النعم في الدنيا ولم ندخر منها للآخرة “شق تمرة” أو “كلمة لينة”.
وإن الدنيا مزرعة الآخرة، فمن زرع فيها جمعاً وحرصاً دون إنفاق وإحسان، حصد يوم القيامة ندماً وخسراناً، وإن العبرة ليست بما نملكه اليوم، بل بما يملكنا غداً من صالح الأعمال، فليراجع كل منا حساباته، وليعلم أن ما قدمه فهو له، وما خلفه فهو لغيره، وسيحاسب هو عليه وحده، فاجعلوا ما بأيديكم وسيلة للنجاة، ولا تجعلوه سبباً للهلاك، واستعدوا ليوم العرض الأكبر بالعمل الصالح، والصدقة، والخلق الحسن، فَلْنُجَدِّدِ التَّوْبَةَ، وَلْنُطَهِّرِ النِّيَّاتِ، وَلْنُقَدِّمْ لِأَنْفُسِنَا مَا يَسُرُّنَا أَنْ نَرَاهُ غَدًا.
الدعاء
