خطبة عن (تجليات ليلة القدر)
مارس 13, 2026الخطبة الأولى ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
الحمد لله ر ب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (84) :(86) يونس
إخوة الإسلام
إن الله تعالى قصّ علينا في كتابه الكريم شيئاً مما كان يدعو به نبي الله إبراهيم (عليه السلام) فقال -جل وعلا- في دعاء إبراهيم: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الممتحنة: 5]، وقريبا منه ما دعا به نبي الله موسى (عليه السلام) كما في الآيات السابقات؛ حيث قال: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [يونس: 85].،وهكذا تواردت أدعية اثنين من أولي العزم من الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- على سؤال الله تعالى ألا يجعلهم ولا المؤمنين معهم فتنة للكافرين والظالمين ،فهذا الدعاء القرآني ينبئ عن عظيم ما في قلوب أهل الإيمان، من العناية بمصالح دين أعدائهم، الذين ظلموهم واعتدوا عليهم، فهؤلاء الأنبياء تضرعوا إلي الله تعالى هاتفين بربوبيته: ألا يكون في حالهم ما يفتتن به أهل الكفر والظلم عن الدين القويم، فيتزين في أعينهم ما هم فيه من كفر وظلم، فيكونون سبباً في الصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الدخول في دينه، وأيضا هم يقولون :(ربَّنا؛ لا تُظفِر الكافرينَ بنا، وتُسَلِّطْهم علينا، فيَعتَقِدوا أنَّ غَلَبتَهم علينا لم تقَعْ إلَّا لأنَّهم على الحَقِّ، ونحن على الباطِلِ، فيُفتَنوا بذلك، ويُعرضوا عن الإقرارِ بالحَقِّ واتِّباعِه ،فقد جاء في الوسيط لطنطاوي : أن معنى الآية: (يا ربنا لا تجعلنا موضوع فتنة وعذاب للقوم الظالمين ،بأن تمكنهم منا ، فيسوموننا سوء العذاب ،وعندئذ يعتقدون أنهم على الحق ونحن على الباطل ،لأننا لو كنا على الحق – في زعمهم – لما تمكنوا منا ،ولما انتصروا علينا ،وقال مجاهد :والمعنى : لا تهلكنا بأيدي أعدائنا ،ولا تعذبنا بعذاب من عندك ،فيقول أعداؤنا لو كانوا على حق لم نسلط عليهم ; فيفتنوا .
أيها المسلمون
ففي قوله تعالى : (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فهذه الدعوة المباركة ضمن الدعوات الكثيرة التي ذكرت في كتاب ربنا ،وفيها من مقصدٍ عظيمٍ، في شأنٍ مهمّ وخطيرٍ، في كيفية تعامل المؤمن مع الكافرين والظالمين، عند الفتن، والتسلّط عليهم، وأن ملجأهم الأول اللَّه جلّ وعلا في التوكل والإنابة إليه، والالتجاء إليه بالدعاء، والتضرّع، فأحياناً تكون السلامة والعافية المتوهمة للظلمة الفجرة، والابتلاء المتنوع الذى يصيب المسلمين سبب اهتزاز وفتنة للكثير من الناس، وقد تنقلب الموازين وتختلط المعايير بالنسبة للمؤمن والكافر ،والبر والفاجر ، فالمبطل قد يفرح ويشمت إذا وقعت المصيبة للمسلم ،ويرى أنه على الحق المبين، وقد يحدث العكس لبعض المسلمين. ولو رجعت بالذاكرة لعلمت كيف حاول المشركون والمنافقون مراراً قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيقاع به، فعلوا ذلك يوم الهجرة وغيره، وتعالت ضحكاتهم لما خنق عقبة بن أبى معيط رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقى سلا الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد أمام الكعبة، {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، أي كيف يتنزل القرآن على يتيم عبد المطلب ،ولماذا لا يتنزل على رجل من أشراف القوم وأغنيائهم .
وفي قوله تعالى : (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فالناظر إلى ما آلتْ إليه حالُ كثيرٍ من المسلمين اليومَ ، يرى أن واقعَهم ـ أُمماً وأفرادا ًـ يشكِّل حجاباً كثيفاً يطْمِسُ نورَ الإسلامِ ، ويصدُّ عن سبيلِه ،فهو (فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ،فهذا الواقعُ المريرُ يمثِّل سدًّا حائلاً منفِّراً عن التعرُّفِ على الإسلامِ ،والاطلاعِ على ما فيه من الهدى والنورِ، فضلاً عن الانضمامِ إلى ركبِ أهلِ الإيمانِ ، واعتناقِ الإسلام.،
وهذا الواقعَ يتضمنُ سوأتين: السوأةُ الأولى: تقصيرُنا في امتثالِ ما أمرنا اللهُ تعالى به من التقوى والإحسانِ. وأما السوأةُ الثانية: فقد حجبْنا أنوارَ هذا الدِّينِ ،وما فيه من الهدى والصراطِ المستقيم عن خلقِ اللهِ تعالى، المتعطِّشين إلى أنوارِه ،المتلهِّفين إلى هدايتِه ،شَعَرْنا بذلك أو لم نشعُر، فالمسلمَ الصادقَ يجتهدُ في أن يَسلَمَ من الصدِّ عن سبيلِ اللهِ في قولٍ أو عملٍ أو حالٍ. والنبيَّ صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك أشد التحذير ، ففي الصحيحين : (عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي وَاللَّهِ لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا . قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ، ثُمَّ قَالَ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ » ، وفي الصحيحين : (أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ – رضى الله عنه – كَانَ يُصَلِّى مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّى بِهِمُ الصَّلاَةَ ، فَقَرَأَ بِهِمُ الْبَقَرَةَ – قَالَ – فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلاَةً خَفِيفَةً ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ . فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا ، وَنَسْقِى بِنَوَاضِحِنَا ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ ، فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ ، فَزَعَمَ أَنِّى مُنَافِقٌ . فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ – ثَلاَثًا – اقْرَأْ ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ) وَ ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) وَنَحْوَهَا » ،أي: لا تكن منفِّرا عن الدِّينِ صادٌّا عنه ،فهذا قوله صلى الله عليه وسلم، وفعله وتغليظه على من نفَّر عن دينِ اللهِ في قضيةٍ جزئيةٍ وواقعةٍ فرديةٍ، وهي إطالةُ الصلاةِ على المأمومين، فليتَ شعري ما تراه صلى الله عليه وسلم قائلاً في أقوامٍ لهم أفعالٌ كثيرةٌ، وأعمالٌ عديدةٌ، ومناهجُ وطيدةٌ يدورُ فلكُها، ويقومُ أودُها على التنفيرِ عن سبيلِ اللهِ، والصدِّ لعبادِ الله؟! وهم مع ذلك يردِّدون: “إن أريدُ إلا الإصلاح ما استطعت”
أيها المسلمون
وفي قوله تعالى : (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (85) :(86) يونس ،فبهذا الدعاء يتوجه المسلم إلى الله بأن يجنبه الله المحنة ،وألا يكون عرضة لنقمة الظالمين والكافرين ،الذين الأصل فيهم العدوان والظلم وانتهاك كرامة الإنسان ، وتعريضه للبلاء ،حتى يردوا المؤمن عن إيمانه ،والمسلم عن إسلامه ،فقد يكون الإنسان فتنة لغيره وهو لا يشعر، ويحمل من أوزارهم وتبعاتهم وهو لا يدري، فالرجل في بيته إذا تساهل في بعض المعاصي ،واقتدى به من في البيت من النساء والذراري صار فتنة لهم، وفي الصحيحين : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رضى الله عنهما – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالإِمَامُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » ، وجاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه فأحضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه وأنبه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب (القرآن). فقال الابن: يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئاً من ذلك: أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلاً (جعراناً)، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً. فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل، وقال له: أجئت إليّ تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
الحمد لله ر ب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ومن الفوائد المستخلصة من تدبر هذه الآيات : إن الإيمان الصادق يقتضي التوكل على اللَّه تعالى وحده، وإن الدعاء لا ينافي التوكل على اللَّه تعالى والتقوي به، بل هو أدلُّ على التوجه بالتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى، والمؤمن لا يتمنّى البلاء، ولكن يثبت عند اللقاء، كما تظهر أهمية التوسل إلى اللَّه تعالى حال الدعاء، حيث توسلوا إليه بعملهم الصالح: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا)، وتوسلوا إليه باسم من أسمائه الحسنى (رَبَّنَا)، وصفة من صفاته العلا (برحمتك) ، كما ينبغي الاستعاذة من الفتن لشدة خطورتها على الدين، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالاستعاذة من الفتن ،والفرار منها ،ففي الصحيحين : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ »، وفي الصحيحين : (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضى الله عنه – قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَدْعُو « اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ »، وفي صحيح مسلم : (قَالَ صلى الله عليه وسلم :« تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ».
الدعاء
